الأربعاء الأسود… حين حاولت القوة قتل الإنسان قبل الأرض

يتناول المقال مجزرة الأربعاء الأسود في المحمرة بوصفها محاولةً لم تستهدف السيطرة على الأرض فقط، بل سعت إلى كسر وعي الإنسان الأحوازي وهويته وإرادته بعد ثورة عام 1979. ويكشف كيف أعادت السلطة الجديدة إنتاج القمع بأسماء مختلفة، حين واجهت مطالب الشعب العربي الأحوازي في تقرير مصيره بالعنف والخوف والطمس. كما يؤكد أن حفظ الذاكرة لا يكفي ما لم تتحول إلى وعيٍ وحضورٍ وقوة تمنع تكرار المأساة، وتعيد وضع الإنسان الأحوازي وحقه في الحياة والكرامة فوق حسابات النفط والمصالح والصمت الدولي.

— حميد شايع الأحوازي —

5/21/2026

 — حميد شايع الأحوازي — الأربعاء الأسود…  حين حاولت القوة قتل الإنسان قبل الأرض   اقترح استخدام AI ك
 — حميد شايع الأحوازي — الأربعاء الأسود…  حين حاولت القوة قتل الإنسان قبل الأرض   اقترح استخدام AI ك

ليست كل المجازر تُرتكب فقط للسيطرة على الأرض.

بعض المجازر تحدث لأن وجود شعبٍ واعٍ بحد ذاته يصبح خطرًا.

وهذا ما يجعل بعض اللحظات في التاريخ أخطر من مجرد “أحداث دامية” أو “صدامات سياسية”.

لأنها تكشف الحقيقة التي تحاول الأنظمة دائمًا إخفاءها:

الاحتلال لا يخشى الأرض وحدها…

بل يخشى الإنسان الذي يعرف أن الأرض له.

وهنا تبدأ قصة المحمرة.

في ربيع عام 1979، لم يكن ما حدث في المحمرة مجرد صدام عابر بعد سقوط نظام الشاه.

بل كان لحظة اكتشف فيها الأحوازيون حقيقة أكثر قسوة:

أن كثيرًا من القوى التي رفعت شعارات الحرية والثورة ضد الاستبداد… لم تكن مستعدة للاعتراف بحرية الشعوب حين تعلّق الأمر بالشعب العربي الأحوازي.

فالثورة التي شاركت فيها الشعوب المضطهدة لإسقاط الحكم الملكي، وكان الأحوازيون في مقدمة من ساهموا فيها، لم تتحول بعد سقوط الشاه إلى مشروع يعترف بحقوق الشعوب بقدر ما تحولت سريعًا إلى صراع على من يحتكر السلطة والدولة والمعنى.

وحين طالب الأحوازيون بتنفيذ الوعود المتعلقة بحقهم في تقرير مصيرهم، وبالاعتراف بوجودهم السياسي والوطني، لم يُنظر إلى ذلك باعتباره حق شعبٍ ساهم في إسقاط الاستبداد… بل باعتباره خطرًا يجب سحقه مبكرًا.

وهنا ظهرت واحدة من أكثر الحقائق قسوة في تاريخ المنطقة:

أن القوى التي قد تختلف على شكل النظام… قد تتوحد حين يتعلق الأمر بمنع الشعوب من امتلاك حقها الكامل في تقرير مصيرها.

ولهذا، لم تكن المحمرة مجرد مواجهة مع سلطة جديدة فقط…

بل كانت لحظة بدأت فيها إعادة إنتاج السيطرة… بأسماء وشعارات مختلفة.

وحينها، لم يكن المطلوب فقط إسكات السلاح…

بل كسر الفكرة الأخطر نفسها:

أن يقتنع الإنسان الأحوازي أن له الحق في أن يكون صاحب أرضه ومستقبله وهويته.

الأربعاء الأسود لم يكن مجرد يوم قُتل فيه الناس.

ولم يكن مجرد مواجهة عابرة بين سلطة ومحتجين.

بل كان لحظة حاولت فيها القوة أن تُعيد تعريف شعب كامل:

من شعبٍ يملك إرادة وهوية وذاكرة…

إلى جماعة يجب أن تتعلم الخوف.

ولهذا، لم تكن المحمرة هدفًا عسكريًا فقط.

كانت هدفًا نفسيًا وسياسيًا ورمزيًا.

لأن المدن التي تحمل ذاكرة الشعوب…

أخطر على الأنظمة من الجيوش أحيانًا.

المحمرة لم تكن مجرد مدينة على ضفاف كارون.

كانت واحدة من أكثر الأماكن التي بقيت فيها الهوية العربية الأحوازية حيّة رغم كل محاولات الطمس والتفريس وإعادة تشكيل الوعي.

ولهذا، لم يكن المطلوب فقط السيطرة عليها…

بل كسر معناها.

وفي كثير من الأحيان، لا تبدأ الأنظمة بقتل الإنسان جسديًا فحسب…

بل تبدأ بمحاولة قتل ثقته بنفسه،

وإقناعه أن:

هويته عبء، وتاريخه مشكلة، وصوته خطر، ومستقبله يجب أن يُرسم له من الخارج.

وهذا ما يجعل بعض المجازر تتجاوز حدود الدم.

لأنها تتحول إلى محاولة طويلة لإعادة تشكيل وعي شعب كامل.

ومن هنا، فإن أخطر ما حدث في الأربعاء الأسود لم يكن عدد الضحايا فقط…

بل الرسالة التي أُريد إرسالها بعدها:

“إما أن تتعلموا الخوف… أو تدفعوا ثمن رفضه.”

لكن التاريخ أثبت شيئًا مختلفًا دائمًا:

القوة تستطيع احتلال الأرض…

لكنها تفشل حين تعجز عن احتلال الوعي بالكامل.

ولهذا، فإن الشعوب لا تُهزم فقط عندما تُقمع…

بل عندما تفقد قدرتها على فهم ما حدث لها أصلًا.

وهنا يبدأ الفرق بين:

شعبٍ يحمل ذاكرة،

وشعبٍ يبني وعيًا من تلك الذاكرة.

فالذاكرة وحدها قد تتحول إلى حزن متكرر.

أما الوعي… فيحوّل الألم إلى إدراك طويل الأمد.

ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد المجازر ليس النسيان فقط…

بل أن تتحول التضحيات إلى موسم عاطفي ينتهي كل عام دون أن يغيّر شيئًا.

الأربعاء الأسود لا يجب أن يبقى مجرد ذكرى للبكاء.

بل يجب أن يُفهم باعتباره لحظة تكشف كيف تتعامل الأنظمة مع الشعوب التي ترفض الذوبان.

فحين تشعر أي سلطة أن هوية شعب ما بدأت تتحول إلى وعي،

وأن الوعي بدأ يتحول إلى حضور،

وأن الحضور قد يتحول مستقبلًا إلى قوة،

فإنها تبدأ بمحاولة كسر هذه السلسلة مبكرًا.

ولهذا، فإن ما حدث في المحمرة لم يكن معزولًا عن مشروع أكبر:

مشروع السيطرة على:

الإنسان، والهوية، واللغة، والذاكرة، والجغرافيا،

وحتى طريقة فهم الشعب لنفسه.

لكن الأخطر من كل ذلك…

أن العالم نفسه كثيرًا ما يتعامل مع هذه المآسي بصمت بارد.

ليس لأن الحقيقة غامضة دائمًا…

بل لأن كثيرًا من الشعوب لا تملك النفوذ الكافي لفرض مأساتها داخل المعادلات الدولية.

الأحواز ليست مجرد أرض غنية بالنفط.

وليست مجرد منطقة مضطربة على هامش الأخبار.

الأحواز واحدة من أكثر المناطق ارتباطًا:

بالطاقة العالمية، واستقرار الخليج العربي، والممرات البحرية، والتوازنات الإقليمية.

وفي كثير من الأحيان، كان النفط أوضح للعالم من الإنسان الذي يعيش فوقه.

وهنا تبدأ إحدى أخطر أزمات العصر الحديث:

حين تصبح قيمة الأرض والثروة أعلى من قيمة الإنسان الذي يعيش فوقها.

ولهذا، فإن القضية الأحوازية ليست مجرد قضية حدود أو سياسة فقط…

بل قضية إنسان يحاول أن يبقى إنسانًا رغم كل محاولات الطمس.

والاحتلال الحقيقي لا يبدأ فقط حين تُؤخذ الأرض…

بل حين يُدفع الشعب تدريجيًا إلى فقدان ثقته:

بنفسه، وهويته، وقدرته على صناعة مستقبله.

ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن تفعله الشعوب بعد المآسي…

هو أن تسمح للخوف بأن يتحول إلى هوية دائمة.

المحمرة ليست مجرد ذاكرة دم.

بل اختبار تاريخي:

هل يتحول الألم إلى وعي؟

أم يتحول إلى خوف طويل الأمد؟

وهنا تبدأ مسؤولية الأجيال.

ليس فقط في تذكر ما حدث…

بل في فهم:

لماذا حدث؟

وكيف يُمنع تكراره؟

وكيف تُبنى شعوب لا يستطيع القمع إعادة تشكيل وعيها بسهولة؟

لأن الأنظمة قد تنجح في السيطرة على المدن لفترة…

لكنها تخشى دائمًا اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان بفهم نفسه من جديد.

ولهذا، فإن أخطر قوة لا تولد بعد المجازر…

ليست السلاح.

بل الإنسان الذي يرفض أن يتحول إلى كائن مكسور من الداخل.

والأربعاء الأسود لن يبقى مجرد تاريخ…

إذا تحولت الذاكرة إلى وعي،

والوعي إلى حضور،

والحضور إلى قوة تجعل من المستحيل إعادة الإنسان الأحوازي إلى موقع الضحية مرة أخرى.

لأن المأساة الحقيقية ليست أن تُقتل الشعوب مرة واحدة…

بل أن يُعاد قتلها كل مرةٍ بالصمت،

والنسيان،

والتعايش البارد مع الظلم وكأنه قدر طبيعي.

بعض الشعوب لا تُترك لتعيش بسلام…

بل تُترك لتتعلم الخوف جيلاً بعد جيل.

وحين يتحول هذا المشهد إلى أمرٍ عادي في ذاكرة العالم، يصبح الصمت نفسه جزءًا من المأساة.

والمحمرة لم تكن مجرد مدينة سقط فيها الضحايا…

بل كانت مرآةً مرعبة لما يمكن أن يحدث حين تصبح المصالح أوضح من الإنسان،

وحين يُترك شعبٌ كامل بين:

القمع،

والصمت الدولي،

وعالمٍ يرى في الأرض ثروة… أكثر مما يرى في البشر حقًا في الحياة والكرامة.

ولهذا، فإن السؤال لم يعد فقط:

ماذا حدث في الأربعاء الأسود؟

بل:

ماذا يقول هذا كله عن عالمٍ تعلّم التعايش مع الخوف… أكثر مما تعلّم حماية الإنسان؟

— حميد شايع الأحوازي —

21.5.2025