"أراضٍ خالصة".. مصطلح أطلقته إيران بعد احتلالها للأحواز
يتناول المقال مصطلح “الأراضي الخالصة” الذي أُقر بعد احتلال الأحواز عام 1925، ويحلل كيف استُخدم غطاءً قانونيًا لمصادرة أراضي الأحوازيين، وتهجيرهم، وتغيير هوية المكان، ونقل الثروات والمياه، وتوسيع الاستيطان. كما يربط بين هذا القانون ومصادرة أراضي الفلاحين في الحميدية عام 2010، ويدعو إلى كسر التعتيم الإعلامي عن الانتهاكات الواقعة على الشعب العربي الأحوازي.
المقالاتالمختارات
سكن "العيلاميون" أهالي الأحواز اليوم، هذه البقعة من الكرة الأرضية الواقعة على السواحل الشرقية للخليج العربي، ابتداءً من شط العرب وحتى باب السلام (مضيق هرمز)، بمحاذاة جبال زاجروس التي تشكل الحاجز الجغرافي الطبيعي الذي يفصل بين الأحواز وبلاد فارس.
إن حضارة عيلام السامية يمتد تاريخها لسبعة آلاف عام على أرض الأحواز. سكن الأحوازيون الساميون هذه الأرض قبل أن يكون للفرس، أو بالأحرى "العرق الآري"، أي وجود بشري يذكر. وبعد هجرتهم من القوقاز إلى منطقة حكمتانة (همدان الحالية)، كانت للأحوازيين العيلاميين حضارة مزدهرة يعود وجودها على هذه البقعة من الأرض إلى 2500 عام قبل وصول الفرس إلى حكمتانة. هاجر الآريون وسكنوا خلف جبال زاجروس، ولم تربطهم بالعيلاميين الأحوازيين أية صلة.
لا أريد الخوض في التاريخ، فكتب الكثير من الأحوازيين والعرب عنه، وما يؤكده ويوثقه باحثون ومستشرقون أجانب حول عيلامية وسامية المنطقة وعدم وجود أي وجود للفرس في الأحواز. هذا متوفر على المواقع الأحوازية أو عبر البحث في غوغل، ليتمكن القارئ الكريم من مطالعته بالتفاصيل.
ما أود الوصول إليه في هذا السياق هو أن إيران احتلت الأحواز في 20 أبريل 1925 عسكرياً. وبعد تلك الجريمة الشنعاء، مارست السلطات الإيرانية أقذر وأبشع الجرائم بحق الشعب العربي الأحوازي. وضع رضا شاه المقبور قوانين عنصرية وتجاوزات، منها قانون "الأراضي الخالصة". ماذا يعني ذلك؟ يعني التهجير القسري الجماعي، طمس الهوية العربية، القتل، الطرد، بناء المستوطنات وجلب مستوطنين فرس، تأمين وتوفير كافة مستلزمات الحياة مجاناً لهم، تقسيم المياه ونقلها إلى مدن فارسية، سلب كل ما تملكه هذه الأرض من ثروات، جلب الأمراض من خلال المياه الملوثة، حرمانهم من كافة الحقوق الإنسانية وحتى الحياة، ممارسة سياسة التفريس والاضطهاد العنصري وتغيير المعالم والأسماء العربية، والكثير الكثير من الجرائم.
هذه المراسيم الإمبراطورية التي تنتمي إلى قرون ماضية، بعضها نُفذ في عهد الملكين الغاصبين، والباقي تسلمته الجمهورية اللاإسلامية الإيرانية اللاشرعية في الأحواز لاستكمال مشاريع الاحتلال الفارسي الغاشم والاستمرار في النهج نفسه، بل وبشاعة أكبر.
"الأراضي الخالصة" (زمينهاي خالصه) هو قانون أقره الشاه بعد غزو الأحواز. هذا القانون لم يطبق في بلوشستان وكردستان وأذربيجان... وإنما في الأحواز العربية المحتلة فقط. روّجت ولا تزال تروج له العقلية الفارسية العنصرية الشوفينية على المستويين الرسمي والشعبي منذ احتلال الأحواز. ويعني القانون أن الفرس هم السكان الأصليون لهذه الأرض والعرب هم دخلاء. وهذا يبيح لسلطات الاحتلال الفارسي أن تعمل ما تشاء وبطريقة وحشية لا سابقة لها في التاريخ، إن لم يكن ذلك مبالغاً فيه.
إن "الأراضي الخالصة" تعني أن الشعب الذي يسكن هذه الأرض لا يملك أي شيء منها. المستندات والوثائق التي يملكها هذا الشعب العربي الأحوازي الأعزل، كوثائق الأراضي والمنازل والمتاجر وغير ذلك، هي كلها مؤقتة أو غير قانونية ولا شرعية لمالكيها عند قانون الاحتلال الإيراني. هم أنفسهم من اعتدوا على الشعب والأرض الأحوازيين باحتلال عسكري من خلف جبال زاجروس. "أرض خالصة" تعني أن الشعب الأحوازي، البالغ تعداده أكثر من ثمانية ملايين إنسان، ليس له الحق في الحياة في تلك الأرض. وكل ما تقوم به سلطات الاحتلال الإيرانية في الأحواز، وحسب قانون الاحتلال الإيراني العنصري والشوفيني، يُجيز لها القانون ارتكاب أية جريمة بحق هذا الشعب المظلوم، دون حق الاعتراض الدستوري. هذا كله يحدث في ظل السكوت المتعمد والمقصود والمشجع لتلك الجرائم من قبل المنظمات التي تدعي أنها تعمل لحقوق الإنسان، ومن قبل النخبة الفارسية وما يسمى بالمعارضة الإيرانية بكل أطيافها وألوانها، من شيوعيها حتى مرتجعيها. هذا ما حصل وما يحصل الآن على أرض الواقع، بعيداً عن مرأى العالم.
ما قام به الحرس الثوري الإيراني الإجرامي في مدينة الحميدية الأحوازية، من مصادرة أراضي الفلاحين يوم الخميس 27 مايو 2010، والذي واجه فيه أبناء الحميدية الأبطال الحرس الإجرامي، وكانت حصيلة تلك المواجهات 3 شهداء و7 جرحى، لم يكن المرة الأولى. بل منذ الاحتلال، مارست ذلك سلطات الاحتلال الشاهنشاهية الغاصبة، واستمرت فيه الجمهورية اللاإسلامية.
إن عدم معرفة الرأي العام العربي والعالمي بتلك الجرائم الشنعاء وممارسات الاحتلال الإيراني الإجرامية في الأحواز العربية المحتلة، سببه التعتيم الإعلامي وعدم الاهتمام الإعلامي العربي خاصة والعالمي عامة بما يجري في الأحواز. هذا ما طالبنا وما زلنا نطالب به: فك الحصار الإعلامي عن هذا الشعب المظلوم والأعزل، والوقوف إلى جانبه وقفة إنسانية، والانضمام إلى صوت الحق لإيصال صرخة أكثر من ثمانية ملايين عربي وهم ينادونكم، لإيصال صرخة الأطفال والثكالى إلى العالم لمعرفة ما يجري في الأحواز من تنكيل وإرهاب ومجازر ترتكبها إيران في كل لحظة.
إن سلطات الاحتلال الإيراني تمنع وتحجب أية معلومة تخرج من الأحواز، وتمنع وصول أي مراسل عربي أو أجنبي إلى الأحواز ليكشف ما يجري هناك. بل حتى المعارضة ومنظماتها الإنسانية هي أيضاً تحجب وتتكتم على ما يقوم به الاحتلال الفارسي من جرائم ضد الشعب العربي الأحوازي.
نحن الأحوازيين ظُلِمنا بشكل مضاعف، ونأمل أن يقوم الإعلام العربي بواجبه المهني والإنساني تجاه الأحوازيين، لكي يتعرف العالم على معاناة شعب عربي أعزل لا يملك شيئاً إلا الإرادة والإصرار والعزيمة لمواصلة نضاله وكفاحه المشروع حتى يستعيد أرضه وكرامته وسيادته على وطنه.
حميد شايع الاحوازي
23.6.2010
