حين تدّعي المشنقة أنها تعرف المستقبل

يفحص هذا المقال عقوبة الإعدام من سؤال يتجاوز الجريمة والعقوبة إلى حدود المعرفة البشرية نفسها: كيف تستطيع مؤسسة قابلة للخطأ أن تصدر قرارًا لا يمكن تصحيحه؟ ومن خلال «مفارقة اليقين النهائي»، و«احتلال قابلية المعرفة»، و«الحق في وصول العدالة قبل فوات الإنسان»، ينتقل النص من قضايا أحوازية معاصرة وذاكرة ريسان الساري إلى سؤال أوسع عن الحياة والسيادة والمعنى: هل تمنح القدرة على إنهاء حياة الإنسان سلطةً على مستقبله أو على معنى وجوده؟

— حميد شايع الأحوازي —

10/10/2026

hyn-tday-almshnqh-anha-tarf-almstqbl
hyn-tday-almshnqh-anha-tarf-almstqbl

مقال بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام — 10 أكتوبر 2026

ليست المشنقة أخطر حين تقتل إنسانًا.

إنها أخطر حين تدّعي، باسم مؤسسة بشرية، أن مستقبل هذا الإنسان قد انتهى قبل أن يأتي.

فالإعدام لا يحكم على فعل وقع في الماضي فقط؛ إنه يغلق كل ما كان يمكن أن يحدث بعده. إنه يفترض أن الإنسان لن يتغير، ولن يصحح خطأً، ولن يكشف حقيقةً، ولن يشهد على ما حدث له، ولن يضيف إلى العالم شيئًا لم يكن موجودًا من قبل.

وحين تنفذ مؤسسة بشرية حكمًا بالإعدام، فإنها لا تقول فقط: عرفنا ما فعله هذا الإنسان.

إنها تقول شيئًا أكبر:

عرفنا ما يكفي عن كل ما يمكن أن يصبحه، وقررنا أن المستقبل لن يحمل سببًا واحدًا يستحق بقاءه حيًا.

وهنا يبدأ السؤال الذي يسبق القضاء والسياسة معًا:

بأي معرفة تستطيع مؤسسة بشرية أن تصادر مستقبلًا لم يحدث بعد؟

من أهم شروط المعرفة المنضبطة اعترافها بإمكان الخطأ والتصحيح. فالمعرفة التي لا تسمح لدليل جديد بأن يغيّر نتيجتها لا تحمي الحقيقة؛ تحمي نفسها من الحقيقة.

والقضاء يعرف الاستئناف وإعادة المحاكمة ونقض الأحكام وظهور الأدلة الجديدة للسبب نفسه: القاضي إنسان، والمحقق إنسان، والشاهد إنسان، والخبير إنسان، والنظام الذي يجمع الأدلة ويفسرها نظام صنعه البشر.

وكل ما يصنعه البشر يحمل إمكانية الخطأ.

لكن الإعدام يُدخل تناقضًا حاسمًا إلى هذه البنية: يأخذ نظامًا يعترف بإمكان الخطأ، ثم يمنحه نتيجةً تُبطل إمكان التصحيح.

كلما اقترب القرار من انعدام إمكان إصلاحه، ضاق الهامش الأخلاقي المقبول للخطأ.

فالقرار القابل للمراجعة يمكن إيقافه أو تعديله أو نقضه إذا ظهرت حقيقة جديدة. أما الإعدام، فإنه لا يترك للعدالة فرصةً كي تصحح نفسها بعد تنفيذه.

ومن هنا تنشأ “مفارقة اليقين النهائي”:

كلما أصبحت العقوبة أكثر نهائية، ازدادت حاجتها إلى معرفة أكثر كمالًا؛ لكن المؤسسات البشرية لا تملك معرفة كاملة ولا عصمة من الخطأ.

ولذلك لا يكفي أن نسأل: هل يرجح النظام أن المتهم مذنب؟

يجب أن نسأل أيضًا:

هل يملك نظام قابل للخطأ حق إصدار نتيجة لا يستطيع إصلاحها إذا اكتشف خطأه؟

ورفض الإعدام لا يعني إنكار الجريمة، ولا محو آلام الضحايا، ولا إعفاء مرتكب الفعل من المساءلة. فالعدالة مطالبة بحماية المجتمع، وكشف الحقيقة، ومحاسبة الجاني، وإنصاف المتضرر.

لكن قوة العدالة لا تُقاس بقدرتها على تقليد الجريمة في نهائيتها.

تستطيع العدالة أن تعاقب من دون أن تدّعي العصمة، وأن تحمي المجتمع من دون أن تغلق إلى الأبد إمكان تصحيح خطئها. أما حين تجعل الموت جوابها النهائي، فإنها لا تعاقب الإنسان وحده؛ بل تهدم الجسر الذي يمكن أن تعود الحقيقة عبره.

في الأحواز، لا تصل “مفارقة اليقين النهائي” إلينا من كتب الفلسفة.

تصل من أسماء بشر:

مسعود جامعي.

عليرضا مرداسي حميداوي.

فرشاد اعتمادي فر.

رضا عبدالي دغاغلة.

ليست هذه الأسماء فكرةً تجريدية عن الموت. لقد دخلت قضاياهم إلى مراسلات الإجراءات الخاصة التابعة للأمم المتحدة، مصحوبةً بمخاوف جدية تتعلق بالتعذيب، والاحتجاز التعسفي، والاعترافات القسرية، والوصول إلى المحامي، وضمانات المحاكمة العادلة.

والأشد أهمية أن المراسلة الأممية نفسها ذكّرت بأن عقوبة الإعدام، حيث لم تُلغَ، لا يجوز أن تُفرض إلا في “أشد الجرائم خطورة”، وهو معيار فسّرته لجنة حقوق الإنسان تفسيرًا ضيقًا باعتباره الجرائم البالغة الخطورة التي تنطوي على قتل عمد. وذكرت المراسلة أن أحكام الإعدام الصادرة بحق رضا عبدالي ومسعود جامعي وفرشاد اعتمادي فر وعليرضا مرداسي لا تبدو مستوفيةً لهذا الحد.

ويضاف إلى دائرة الخطر حسن مصلاوي (طرفي)، الذي أفادت تقارير حقوقية في يونيو 2026 بأنه أُبلغ في سجن شيبان حكم الإعدام النهائي بعد تأييده من المحكمة العليا الإيرانية. ولا يظهر اسمه بين الأشخاص الأربعة الذين تناولتهم المراسلة الأممية IRN 23/2025؛ ولهذا لا ينبغي أن يتحول غيابه عن تلك المراسلة إلى غياب عن الانتباه الدولي.

وهنا لا يعود الخلل تفصيلًا إجرائيًا. فحين تكون حياة الإنسان متوقفةً على حقيقة يجري البحث عنها داخل بيئة ناقصة الشفافية، تصبح سلامة الطريق المؤدي إلى الحقيقة جزءًا من الحق في الحياة نفسه.

العقوبة الأكثر نهائية تحتاج إلى البيئة الأكثر قابليةً للرؤية. فإذا صُنعت داخل البيئة الأقل قابليةً للرؤية، اجتمع خطران في قرار واحد: نقص المعرفة واستحالة الإصلاح.

لكن في الأحواز يسبق سؤال الخطأ القضائي سؤالٌ أعمق:

من أين تستمد مؤسسة الاحتلال حقها في محاكمة صاحب الأرض باسم سلطة فُرضت عليه بالقوة؟

لقد أُسقط الحكم العربي الأحوازي المستقل في 20 أبريل 1925، وفُرضت سلطة الدولة الإيرانية على الأحواز بالقوة العسكرية. ومن هذا الأصل القسري نشأت العلاقة التي تعمل داخلها مؤسسات الاحتلال، بما فيها القضاء.

لقد ارتكب المجتمع الدولي خطأً تاريخيًا حين سمح للاعتراف بإيران بوصفها دولة أن يمتد، بلا فحص، إلى التسليم لها بشرعية السيادة على الأحواز.

فالاعتراف بالدولة ليس صكَّ ملكية لكل أرض أخضعتها بالقوة، والصمت الطويل لا يحوّل الاحتلال إلى حق، ولا يجعل السلطة المفروضة على أصحاب الأرض سلطةً مشروعة.

وما حدث لم يكن اعترافًا بحقيقة قانونية جرى إثباتها، بل قبولًا أعمى بخريطة صنعتها القوة، ثم ورثتها المؤسسات الدولية كما لو كانت أصلًا.

وعلى المجتمع الدولي أن يصحح هذا الخطأ: لا بأن يمنح الشعب العربي الأحوازي حقه، فالحق لا يصنعه اعتراف الآخرين، بل بأن يتوقف عن تحويل الأمر الواقع الذي صنعه الاحتلال إلى شرعية تعمل مؤسساته تحت حمايتها.

وتصبح عواقب هذا الخطأ الدولي أشد فداحة عندما تتحول الشرعية التي مُنحت للأمر الواقع إلى غطاءٍ لمؤسسات الاحتلال، ومنها قضاء يمنح نفسه سلطة الحكم بالموت على صاحب الأرض الذي فُرضت عليه هذه المؤسسات أصلًا بالقوة.

فالمؤسسة لا تُطهّر أصل القوة التي أنشأت اختصاصها، والاحتلال لا يصبح مشروعًا لأنه وضع قاضيًا بين السجن والمشنقة.

القانون لا يكون قانونًا لأنه كُتب في سجل السلطة، والقضاء لا يكون عدالةً لمجرد أن القتل صدر في حكم.

فعندما يُستخدم القضاء لتجريم هوية الإنسان الأحوازي، أو معاقبة اعتراضه على الاحتلال، أو انتزاع اعترافه تحت التعذيب، أو إصدار حكم نهائي بعد محاكمة تفتقر إلى ضماناتها الأساسية، فإنه لا يقف بين الإنسان والقوة؛ بل يصبح القوة وهي ترتدي ثوب القضاء.

وهنا لا تقتل المشنقة فردًا وحده.

إنها ترسل رسالةً إلى أسرته، وإلى مدينته، وإلى شعبه كله: إن السلطة التي احتلت الأرض تريد أن تكون صاحبة القرار فيمن يعيش فوقها، ومن يتكلم، ومن يعترض، ومن يُمحى.

بهذا المعنى، لا يكون الإعدام مجرد عقوبة داخل نظام الاحتلال؛ قد يصبح إحدى أدوات استمراره.

فالقتل يزيل إنسانًا، والاعتقال يعزل إنسانًا، والتعذيب يكسر جسدًا، لكن الترهيب يريد أكثر من ذلك: يريد أن يجعل الخوف حارسًا دائمًا للاحتلال داخل المجتمع.

إن الاحتلال الذي يحتاج إلى المشنقة كي يبقى لا يقدم دليلًا على شرعيته؛ يقدم اعترافًا بعجزه عن إنتاج القبول من دون الخوف.

وهذا التوصيف لا يعفينا من إثبات الانتهاك في كل قضية، ولا يسمح بتحويل الظن إلى واقعة. فكل ملف يحتاج إلى أدلته، وكل ادعاء يحتاج إلى درجته الصحيحة من اليقين.

لكن فحص كل قضية على حدة لا ينبغي أن يعمينا عن البنية التي تتكرر داخلها القضايا.

فالواقعة تثبت ما حدث لإنسان بعينه.

أما التحليل فيكشف لماذا تستطيع الآلة نفسها أن تعيد إنتاج الواقعة.

وقبل أن نسأل: هل عرفنا الحقيقة؟ يجب أن نسأل: هل كانت شروط معرفتها موجودة أصلًا؟

التحقيق خلف الأبواب.

الجسد خلف الجدران.

الاعتراف داخل غرفة لا يراها العالم.

الأسرة تعرف أجزاءً من الحقيقة.

والمحامي قد يصل متأخرًا، أو يُمنع من الوصول إلى ما بُني عليه الحكم.

والإنسان الذي يحمل داخل جسده ذاكرة الاستجواب يصبح أحيانًا أهم شاهد على ما حدث له.

ثم يأتي الحكم النهائي.

إذا كانت الجهة التي تحتجز الإنسان تملك مكانه وسجله وجسده والوصول إليه والوقت الذي يستطيع فيه الكلام، فإنها لا تملك الإنسان وحده؛ قد تملك أيضًا الطرق التي يستطيع العالم من خلالها معرفة ما يحدث له.

هذه هي الصلة بين الإعدام وما أسميته سابقًا “احتلال قابلية المعرفة”.

لكن النزاهة لا تسمح لنا بأن نحول كل فراغ إلى دليل، كما لا تسمح لنا بأن نعامل كل فراغ كأنه بريء.

المعرفة النزيهة لا تملأ الفراغ بما تريد.

إنها تسأل أولًا: من صنعه؟ وكيف صُنع؟ ومن مُنع من الوصول إلى ما كان يمكن أن يكشفه؟

وفي عقوبة لا رجعة عنها، لا يكفي أن تقول السلطة إنها لم تجد دليلًا على التعذيب، إذا كانت هي نفسها تملك الجسد والمكان والسجل والطريق المؤدي إلى الدليل.

فغياب الحقيقة عن المجال العام لا يثبت أنها غير موجودة، إذا كانت شروط ظهورها قد احتُجزت مع الإنسان.

لهذا لا يكون المحامي تفصيلًا.

وسلامة الجسد ليست تفصيلًا.

والتحقيق المستقل في ادعاء التعذيب ليس تفصيلًا.

ومعرفة الأسرة لمكان ابنها ليست تفصيلًا.

والرعاية الطبية ليست تفصيلًا.

وشفافية الدليل ليست تفصيلًا.

وإمكان مراجعة الحكم ليس تفصيلًا.

كل واحد من هذه الضمانات مسافة بين إنسان حي وقرار لا رجعة فيه.

وفي القانون الدولي لحقوق الإنسان، إذا صدر حكم بالإعدام عن محاكمة لم تُحترم فيها الضمانات الأساسية للعدالة، فإن الخلل لا يبقى محصورًا في إجراءات المحاكمة؛ يمتد إلى الحق في الحياة نفسه.

لكن القانون، مهما بلغت دقته على الورق، لا يحمي الإنسان بمجرد وجوده.

الاختبار الحقيقي للمؤسسات ليس: هل تمتلك قاعدة صحيحة؟

بل: هل تصل القاعدة إلى الإنسان عندما لا يملك القوة، وقبل أن يصبح تطبيقها عاجزًا عن إنقاذه؟

ومن هنا ينشأ “الحق في وصول العدالة قبل فوات الإنسان”.

فالعدالة لا تُقاس بصحة ما تصل إليه فقط، بل بقدرتها على الوصول قبل أن يصبح الحق غير قابل للإنقاذ.

يمكن بعد عشرين عامًا فتح الأرشيف، واكتشاف أن المحاكمة كانت معيبة، وكتابة تقرير، وتقديم اعتذار، وإعادة اسم الميت إلى سجل الأبرياء.

لكن لا يستطيع أي تقرير أن يعيد إليه صباحه التالي.

فالزمن ليس ظرفًا خارجيًا للعدالة؛ إنه جزء منها.

والحقيقة التي تصل بعد التنفيذ قد تصحح السجل، لكنها لا تنقذ صاحب الحق.

وما قيمة أن يعرف العالم بعد المشنقة ما كان يستطيع أن يعرفه قبلها؟

في الذاكرة الأحوازية بقيت صورة ريسان الساري أمام المشنقة.

تتناقلها الذاكرة وهو يقبّل الحبل الذي سيُعدم به.

لا أقرأ هذه الصورة تمجيدًا للموت، ولا دعوةً إلى أن يجعل الأحياء المشنقة طريقًا لإثبات محبتهم لأرضهم.

الموت ليس وطنًا.

والحبل ليس امتحانًا للكرامة.

ولا ينبغي للإنسان أن يموت كي يثبت أنه جدير بالحرية.

لكن الصورة تحمل معنى آخر بقي أكبر من اللحظة التي التُقطت فيها.

لقد حاولت أداة الموت أن تفرض على ريسان معنى لحظته الأخيرة، فانتزع منها احتكار المعنى.

كان الحبل يقول: أنت الآن في أضعف لحظاتك.

وكانت القبلة تقول شيئًا لا تستطيع المشنقة أن تفهمه:

قد تملكين اللحظة التي يتوقف فيها جسدي، لكنك لا تملكين المعنى الذي أرى به نفسي.

لم تكن القبلة حبًا للموت.

كانت آخر حدود السيادة حين حاولت القوة أن تستولي على كل شيء.

فحين لا يبقى للإنسان باب يفتحه، ولا طريق يسلكه، ولا محكمة تحميه، قد تبقى داخله مساحة أخيرة لا تستطيع الآلة دخولها إلا إذا سمح لها أن تفسره لنفسه.

وهنا يصبح ريسان أكبر من صورة رجل أمام حبل.

يصبح سؤالًا موجّهًا إلى كل قوة تظن أن امتلاكها لحظة الموت يمنحها ملكية الحياة:

ماذا بقي لك أن تأخذي إذا لم تستطيعي أن تجعلي الإنسان يرى نفسه بعينيك؟

فالسلطة قد تقيّد الجسد.

وقد تحاصر الصوت.

وقد تكتب الحكم.

وقد تختار ساعة التنفيذ.

لكنها لا تصبح مالكةً لمعنى الإنسان لمجرد أنها أصبحت مالكةً للحظة موته.

القدرة على إنهاء حياة الإنسان لا تمنح القدرة على امتلاك معنى حياته.

الحق في الحياة لا يحمي نبض القلب منفصلًا عن الإنسان الذي يحمله. إنه يحمي الجسد والاسم والأسرة واللغة والذاكرة والقدرة على التفكير والاعتراض والانتماء والمشاركة في صنع المستقبل.

هذه هي “دائرة الإنسان”: المجال الذي يستطيع داخله أن يعيش بوصفه إنسانًا كاملًا، لا جسدًا مؤجل الموت.

وحين تضع المشنقة الحبل حول عنقه، فإنها تحاول اختزال هذه الدائرة كلها في نقطة واحدة:

الموت.

لكن الإنسان أكبر من اللحظة التي يُقتل فيها.

والشعب أكبر من السجن الذي يمر به بعض أبنائه.

والأرض أكبر من السلطة التي تسيطر عليها في حقبة من التاريخ.

ولا ينبغي أن تتحول ذاكرة الذين أُعدموا إلى مصنع لكراهية جديدة.

فإذا أنتجت المشنقة مشنقةً مضادة، فقد نجحت في فرض لغتها على ضحاياها.

وإذا صار الموت هو اللغة الوحيدة التي نفهم بها التضحية، فقد سمحنا للموت أن يحتل حتى خيالنا عن الحرية.

الوفاء لريسان ليس أن نحب الحبل الذي قبّله.

الوفاء له أن نبني عالمًا لا يحتاج فيه إنسان آخر إلى أن يقبّل حبلًا كي يثبت أنه حر.

والوفاء لكل أحوازي ذهب إلى المشنقة ليس أن نضيف اسمه إلى جدار البكاء، بل أن نحول اسمه إلى معرفة، والمعرفة إلى قانون، والقانون إلى حماية، والحماية إلى مؤسسة تصل إلى الإنسان قبل أن يفوته الوصول.

ليس كل إنسان معصومًا، لكن كل إنسان غير قابل للاستبدال.

وحين يُعدم إنسان، لا يختفي جسد فقط. تختفي ذاكرة لا يحملها غيره بالطريقة نفسها، واحتمالات لم تعش، وكلمات لم تُقل، وتصحيحات لم تحدث، ومصالحات لم تقع، وحقائق ربما فقدت شاهدها الأخير.

المشنقة، في معناها الأعمق، ليست حبلًا حول رقبة فرد.

إنها ادعاء بأن مؤسسة بشرية امتلكت من اليقين ما يكفي لإلغاء فرع كامل من المستقبل.

السؤال إذن ليس ما إذا كانت الدولة تملك القدرة على قتل الإنسان باسم القانون.

السؤال هو: هل تملك المعرفة التي تخولها إغلاق مستقبله إلى الأبد؟

فالدولة الحديثة ليست معصومة. لها قضاة ومحققون وموظفون وأجهزة ومصالح ونقاط عمياء ومعلومات ناقصة.

والحضارة لا تبدأ عندما تبلغ الدولة قوةً بلا حدود؛ تبدأ عندما تعرف، لأنها بشرية، أين يجب أن تتوقف قوتها.

قد تتغير الدول.

وقد تسقط السجون.

وقد تبلى الحبال.

وقد تصبح أسماء القضاة والسجانين هوامش في أرشيف بعيد.

لكن “مفارقة اليقين النهائي” ستبقى:

كيف يستطيع كائن عرف أنه قابل للخطأ أن يبني عدالةً تتصرف، في لحظتها الأخيرة، كما لو كانت معصومة؟

وأي نوع من الكائنات قرر الإنسان أن يكون، عندما أصبح قادرًا على أخذ حياة إنسان آخر باسم القانون؟

أما ريسان، فلم يجعل المشنقة خالدة.

فعل العكس.

جعلها تبدو أصغر من الإنسان الذي أرادت أن تنهيه.

ـــ حميد شايع الأحوازي ـــ

10 أكتوبر 2026