حين تصل السيطرة إلى رحم المرأة

تحقيق فكري وحقوقي في سؤال بالغ الخطورة: ماذا يحدث حين تمتد السيطرة من الأرض والثروة إلى صحة المرأة وقدرتها على الإنجاب؟ ينطلق المقال من شهادات أحوازية وبيانات طبية منشورة ليفحص مفهوم «احتلال الاحتمالات»، ويفصل بين ما تثبته الأدلة وما يستوجب تحقيقًا مستقلًا، وصولًا إلى السؤال الأعمق: من يملك شروط استمرار الإنسان ومستقبله؟

— حميد شايع الأحوازي —

8/24/2026

 حين تصل السيطرة إلى رحم المرأة — حميد شايع الأحوازي —   اقترح استخدام AI كيف هي هذه الميزة؟
 حين تصل السيطرة إلى رحم المرأة — حميد شايع الأحوازي —   اقترح استخدام AI كيف هي هذه الميزة؟

الأحواز والسؤال الأخطر: من يملك شروط استمرار الإنسان؟

هناك احتلال يأخذ الأرض.

واحتلال ينهب الثروة.

واحتلال يغيّر الاسم.

لكن ماذا نسمي السيطرة حين تصل إلى جسد المرأة، وإلى قدرتها على أن تحمل الحياة مرةً أخرى؟

هنا لا يعود السؤال عن الأرض وحدها.

يصبح السؤال عن استمرار الإنسان نفسه.

نحن لا نكتب عن نساء سمعنا عنهن من بعيد.

نكتب عن مجتمعنا؛ عن شهادات أحوازية حية يقول أصحابها إن نساءً دخلن المستشفى للولادة، وفي بعض الحالات منذ الولادة الأولى، ثم اكتشفن لاحقًا أن قدرتهن على الإنجاب قد مُسّت بإجراءات لم يعلمن بها ولم يخترنها بموافقة حرة ومستنيرة.

وهذه الشهادات، بحسب أصحابها، ليست وليدة اليوم، بل يمتد بعضها إلى نحو خمسة عشر عامًا.

إذا وقع هذا على امرأة واحدة، فهو انتهاك جسيم لسيادتها على جسدها.

أما إذا تكرر بصورة مستقلة عبر نساء وأماكن وأزمنة متعددة، فإن السؤال يتغير:

هل نحن أمام حوادث منفصلة، أم أمام نمط؟

الشهادة وحدها ليست حكمًا نهائيًا.

لكن الشهادة الجدية تخلق واجب التحقيق.

وتكرارها يجعل دفن السؤال نفسه أمرًا يحتاج إلى تفسير.

حين تصبح الولادة الأولى سؤالًا عن المستقبل

تدخل المرأة غرفة الولادة وهي تفكر في طفلها.

لا تدخل وهي تتنازل عن حقها في أن تكون أمًا مرةً أخرى.

ولا تسلّم مستقبل جسدها للدولة.

ولا يصبح المستشفى مالكًا لخصوبتها لأنه يملك ملفها الطبي.

جسد المرأة لها.

وأي تدخل دائم في قدرتها على الإنجاب دون موافقتها الحرة والمستنيرة لا يمس عضوًا في جسدها فقط.

إنه ينتزع منها قرارًا كان سيحدد جزءًا من مستقبلها.

فالإنسان لا يعيش في جسده اليوم فقط.

إنه يحمل من خلاله أيضًا بعض إمكانات الغد.

ومن هنا يظهر القانون الأول:

الجسد هو آخر حدود السيادة الشخصية؛ فإذا امتدت السلطة إلى القرار الذي يحدد إمكان استمرار الحياة من خلاله، فإنها لا تتدخل في حاضر الإنسان فقط، بل في المستقبل الذي كان يمكن أن يولد منه.

وهنا تصبح القضية أكبر من خطأ طبي.

فالخطأ قد يقع مرة.

أما النمط فيجب أن يُحقق فيه بوصفه نمطًا.

الكلمة التي لا يجوز الخوف منها

وهنا نصل إلى الكلمة التي لا يجوز استخدامها بخفة، ولا يجوز الهرب منها إذا قادت الأدلة إليها:

الإبادة الجماعية.

فالقانون الدولي لا يحصر الإبادة الجماعية في قتل أفراد الجماعة.

ومن بين الأفعال التي تدخل في تعريفها، متى اقترنت بالقصد الخاص المطلوب قانونًا لتدمير جماعة محمية كليًا أو جزئيًا، فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة.

ولهذا، إذا ثبت أن نساءً من الشعب العربي الأحوازي تعرضن عمدًا لإجراءات تمنع الإنجاب دون موافقتهن، وأن استهدافهن ارتبط بانتمائهن الجماعي وبقصد منع الولادات داخل الجماعة، فلن نكون أمام "سوء رعاية صحية".

ولا أمام "تجاوز طبي".

ولا أمام انتهاك لحقوق المرأة فحسب.

سنكون أمام فعل يدخل في صميم التعريف القانوني لجريمة الإبادة الجماعية.

هذه ليست كلمة نستخدمها لرفع حرارة النص.

إنها حد قانوني يجب أن تقود إليه الأدلة أو تستبعده الأدلة.

ولهذا لا نعلن النتيجة قبل إثبات عناصرها.

لكننا أيضًا لن نقبل أن يتحول الخوف من الكلمة إلى وسيلة لدفن السؤال.

إذا لم يوجد نمط، فلتكشف البيانات ذلك.

وإذا لم تكن الإجراءات متعمدة، فليظهر التحقيق ذلك.

أما أن يُغلق طريق الإثبات، ثم يُستعمل غياب الدليل المتاح للضحية دليلًا على البراءة، فذلك ليس تحقيقًا.

الجريمة لا تبدأ في المستشفى

المرأة الأحوازية لا تصل إلى غرفة الولادة منفصلة عن الأرض التي عاشت فوقها.

جسدها يحمل الماء الذي شربته.

والهواء الذي تنفسته.

والبيئة التي عاشت فيها.

والرعاية التي وصلت إليها أو حُرمت منها.

ولهذا فإن الخطأ الأكبر هو أن ننظر إلى الأرض والماء والبيئة والصحة والهجرة والخصوبة بوصفها ملفات منفصلة.

فالإنسان هو المكان الذي تلتقي فيه جميعها.

الجسد هو الخريطة التي تظهر عليها في النهاية نتائج القرارات التي لا تظهر على الخريطة السياسية.

وهنا يجب أن نميز بين الاعتداء على الإنسان الموجود وبين الاعتداء على شروط إمكان الإنسان.

الأول يضرب الحياة التي وُجدت.

أما الثاني فيضيّق الطرق التي تستطيع الحياة أن تستمر عبرها:

الماء.

الصحة.

البيئة.

الأرض.

الرعاية.

القدرة على البقاء.

والقدرة على الوصول إلى الجيل التالي.

ومن هنا نصل إلى المفهوم الذي يجمع القضية كلها:

احتلال الاحتمالات

الاحتلال المعروف يسيطر على المكان.

أما احتلال الاحتمالات فيعيد تشكيل ما يستطيع الإنسان أن يفعله داخل المكان.

احتمال أن يبقى.

احتمال أن يجد ماءً صالحًا.

احتمال أن يُعالج.

احتمال أن يعيش طفله.

احتمال أن تؤسس المرأة أسرتها كما تختار.

واحتمال أن يصل الشعب إلى الجيل التالي محتفظًا بأرضه واسمه وذاكرته.

هذا لا يعني أن كل مرض أو وفاة أو هجرة نتيجة خطة واحدة.

لكن العلم يفرض سؤالًا آخر:

ماذا يحدث عندما تتراكم على الجماعة نفسها، وفي الأرض نفسها، اختلالات مستمرة تمس شروط البقاء واحدًا بعد آخر؟

عندها لا يكفي أن نعدّ الوقائع.

يجب أن نبحث عن العلاقات بينها.

فالسيطرة لا تحتاج دائمًا إلى أمر واحد يصدر من غرفة واحدة.

قد تعمل عبر قرارات متراكمة تجعل بعض المستقبلات أسهل، وبعضها أصعب، وبعضها يكاد يصبح مستحيلًا.

ومن هنا يظهر القانون:

الاحتلال لا يبلغ أقصى مداه حين يسيطر على أرض شعب، بل حين يصبح قادرًا على إعادة تشكيل مجال الممكن أمام أصحابها.

441 طفلًا ماتوا

وهنا لا نملك شهادات فقط.

لدينا أيضًا سجل طبي منشور يستحق أن يُقرأ.

فقد وثقت دراسة أكاديمية اعتمدت السجلات الطبية في مستشفى أبوذر بالأحواز 441 وفاة لحديثي الولادة خلال عامي 2020 و2021 وحدهما: 224 وفاة في عام 2020 و217 في عام 2021.

ومن الأسباب المسجلة: 153 حالة فشل تنفسي، و75 حالة إنتان، و66 حالة تشوهات قلبية، و38 حالة اختناق عند الولادة.

لنتوقف أمام الرقم:

أربعمئة وواحد وأربعون طفلًا حديث الولادة ماتوا في مستشفى واحد خلال عامين.

هذه الدراسة لا تثبت التعقيم.

ولا تثبت وحدها وجود سياسة إبادة جماعية.

ولا يجوز أن نجعلها تقول ما لم تقله.

لكنها تثبت أن صحة الطفل وحديث الولادة في الأحواز ليست سؤالًا متخيّلًا، وأن هناك قاعدة طبية منشورة تفرض البحث في الرعاية، والوفيات، والاختناق، والفشل التنفسي، والإنتان، وسرعة الوصول إلى العلاج، وقدرة المؤسسات الصحية على الاستجابة.

وهنا يصبح السؤال:

ماذا حدث بعد 2021؟

وماذا ستقول بيانات السنوات التالية؟

وهل الشهادات الأحدث عن صحة النساء والأطفال وقائع منفردة، أم أن البيانات ستكشف امتدادًا لمواطن ضعف أقدم؟

الرقم ليس حكمًا على القصد. لكنه إنذار لا يملك العالم حق تجاهله.

أرض تنتج الثروة… وصاحبها يسأل عن شروط الحياة

الأحواز ليست أرضًا فقيرة.

وهذا يجعل التناقض أشد قسوة.

الثروة تخرج.

لكن السؤال الحقيقي ليس كم تنتج الأرض.

السؤال:

كم يتحول مما تنتجه إلى قدرة صاحبها على الحياة؟

كم مستشفى؟

كم طبيبًا؟

كم رعاية آمنة للأم؟

كم طفلًا يمكن إنقاذه؟

كم ماءً صالحًا؟

وكم بيئةً يستطيع الإنسان أن يعيش فيها دون أن يدفع جسده ثمنها؟

فالميزانية قرار.

والتخصيص قرار.

والبنية الصحية نتيجة قرارات متراكمة.

ولهذا:

الثروة التي تخرج من أرض الإنسان ولا تعود إليه في صورة قدرة على الحياة تكشف، قبل مقدار الغنى، مقدار المسافة بين صاحب الأرض وصاحب القرار.

وتوزيع الصحة ليس توزيع أجهزة فقط.

إنه توزيع لاحتمالات المرض والشفاء، وفي بعض الحالات لاحتمالات الحياة والموت.

من يحتكر الدليل لا يملك أن يحوّل احتكاره إلى براءة

سيُطرح السؤال:

أين الوثيقة؟

وهو سؤال مشروع.

لكن هناك سؤالًا يجب أن يقف إلى جواره:

من يملك الوثيقة؟

ماذا يحدث عندما يكون السجل داخل المؤسسة التي تدور حولها الشبهة؟

وعندما تكون البيانات والأرشيف والملفات تحت سلطة الجهة المطلوب التحقيق في ممارساتها؟

غياب الوثيقة عن يد الضحية لا يثبت الجريمة.

لكنه لا يثبت البراءة أيضًا.

ولهذا لا يكون الرد بالتخمين، بل بتقاطع الأدلة:

الشهادات المستقلة.

السجلات الطبية حيث يمكن الوصول إليها.

التواريخ.

المستشفيات.

نوع الإجراءات.

المؤسسات المتكررة.

بيانات صحة النساء والأطفال.

وتوزيع الخدمات والموارد.

ثم يوضع كل ذلك بجانب بعضه لا لكي نصنع النتيجة التي نريدها، بل لكي نعرف النتيجة التي تفرضها الأدلة.

وهنا القانون:

من يحتكر الدليل لا يملك أن يحوّل احتكاره إلى براءة.

وحين يُغلق الأرشيف أمام أصحاب التجربة، يصبح حفظ الشهادة والسجل والمكان والزمن والأثر جزءًا من استعادة حقهم في معرفة ما وقع لهم.

اسمعونا أولًا… ثم تحققوا إلى النهاية

نحن الشعب العربي الأحوازي.

نحن أصحاب الأرض التي نتحدث عنها.

والنساء والأطفال الذين نتحدث عنهم من مجتمعنا.

لهذا لا نقبل أن تبدأ معرفة الأحواز باستبعاد الأحوازي.

لكن كوننا أصحاب التجربة لا يعني أن نطلب التصديق بلا فحص.

نقول شيئًا أقوى:

اسمعونا أولًا. ثم تحققوا إلى النهاية.

اسألوا النساء.

افحصوا الملفات.

قارنوا الحالات.

اكشفوا البيانات.

وادخلوا إلى المكان الذي وقعت فيه الشهادة بدل مطالبة صاحبتها بأن تخرج إليكم بما تحتكره المؤسسة.

نحن لا نخاف الحقيقة.

نريدها كاملة.

حتى لو أسقطت بعض ما نعتقده، وحتى لو كشفت ما هو أخطر مما نعرفه.

لأن القضية التي تريد أن تعيش بعد أصحابها لا تستطيع أن تخاف الحقيقة.

حين تتحول الذاكرة إلى دليل

الجريمة التي لا تُوثق قد تبقى جرحًا داخل أسرة.

أما حين تُحفظ الشهادات وتُقارن الوقائع وتُفحص السجلات، فإن الألم يبدأ بالتحول إلى معرفة.

والشهادة المحفوظة قد تصبح دليلًا.

والأدلة المتقاطعة قد تكشف نمطًا.

والنمط المثبت يفتح باب المساءلة.

هكذا لا يبقى الإنسان حاملًا لما وقع عليه فقط.

يصبح قادرًا على معرفة كيف وقع، وأين تكرر، وما الذي يربط واقعة بأخرى.

وهنا تنتقل الذاكرة من مكان تحفظ فيه المأساة إلى قدرة تمنع المأساة من الاختباء.

من يملك الغد؟

الأحواز ليست بئر نفط.

وليست نهرًا.

وليست مساحة على خريطة.

الأحواز إنسان.

والإنسان ليس وجوده اليوم فقط.

إنه أيضًا مجال الممكن الذي يستطيع من خلاله الوصول إلى الغد.

ولهذا فإن السيادة ليست أن يملك الشعب أرضًا فقط.

السيادة أن يملك الشروط التي تسمح له بأن يستمر فوق أرضه بوصفه نفسه.

أن تكون المرأة صاحبة جسدها.

وأن يجد الطفل شروط الحياة.

وأن يتحول ماء الأرض وثروتها إلى حياة لأهلها.

وأن يستطيع الإنسان أن يبقى دون أن يصبح بقاؤه فوق وطنه امتحانًا دائمًا لقدرة جسده على الاحتمال.

وأن تصل اللغة والذاكرة والاسم إلى جيل لم يولد بعد.

وهنا نفهم لماذا يصل السؤال الذي بدأ بالأرض في النهاية إلى الرحم.

لأن السيطرة حين تصل إلى القدرة على الإنجاب لا تمس امرأة في حاضرها فقط.

إنها تمس مستقبلًا كان يمكن أن يوجد.

وإذا أثبت التحقيق وجود تدابير متعمدة لمنع الإنجاب استهدفت نساء الشعب العربي الأحوازي بسبب انتمائهن الجماعي وبالقصد الخاص الذي يشترطه القانون، فإن الاسم القانوني المحتمل لا يجوز الهروب منه:

الإبادة الجماعية.

لا نستخدم هذه الكلمة لأننا نريدها أن تكون صحيحة.

نستخدم معيارها لكي نعرف إن كانت الأدلة تقود إليها.

لكن هناك حقيقة أوسع من المصطلح القانوني نفسه:

أن الإنسان لا يُمحى فقط عندما يُقتل.

يمكن أن يُهاجم أيضًا في الماء الذي يحتاجه.

وفي البيئة التي يسكنها.

وفي الصحة التي تحميه.

وفي الأرض التي يبقى فوقها.

وفي الجسد الذي يحمل مستقبله.

وهنا تظهر المعركة الأعمق:

ليس فقط أن يبقى الإنسان حيًا.

بل أن يبقى قادرًا على إنتاج غده بنفسه.

صاحب القرار في جسده.

وصاحب الحق في أرضه.

وصاحب الثروة التي تقوم عليها حياته.

وصاحب الذاكرة التي تحدد من هو.

وصاحب المستقبل الذي سيأتي بعده.

الشعب العربي الأحوازي.

وهذه هي الحقيقة التي يجب أن تبقى بعد انتهاء المقال:

قتل الإنسان يقطع حياةً موجودة.

أما استهداف شروط استمرار الإنسان، فيمد يد السيطرة إلى الحياة التي لم تأتِ بعد.

وحين تصل السلطة إلى هذه النقطة، لا تعود المسألة عن الأرض وحدها.

ولا عن المستشفى وحده.

ولا عن الماء وحده.

ولا حتى عن الرحم وحده.

تصبح المسألة عن السؤال الذي يقف خلفها جميعًا:

من يملك حق تحديد مستقبل الإنسان؟

وجوابنا لا يحتاج إلى إذن:

صاحب الجسد هو صاحب جسده.

وصاحب الأرض هو صاحب أرضه.

وصاحب الذاكرة هو صاحب روايته.

والشعب هو صاحب حقه في أن يصل إلى المستقبل.

لأن أخطر احتلال ليس الذي يقرر أين يعيش الإنسان فقط، بل الذي يبدأ بتحديد كلفة بقائه وحدود خياراته، ثم يمد يده إلى مجال الممكن نفسه: إلى الطرق التي يستطيع الإنسان عبرها أن يحمل وجوده إلى المستقبل.

— حميد شايع الأحوازي —

24.8.2026

🌐 الأحواز التي لا تُمحى | الموقع الرسمي

https://www.ahwazunerased.com

📘 الأحواز التي لا تُمحى | Facebook

https://www.facebook.com/AhwazUnerased

✍️ حميد شايع الأحوازي | Facebook

https://www.facebook.com/hamid.shayea.alahwazi/