حين يحاول العنف أن يحتل معنى القوة
يفحص هذا المقال معنى اللاعنف من نقطة أعمق من مجرد الامتناع عن استخدام القوة، ويسأل من يجب أن تبدأ عنده مسؤولية اللاعنف حين تكون أدوات السلاح والسجن والقانون موزعة بصورة غير متكافئة. ومن خلال مفهوم “احتلال الاستجابة”، يتناول كيف يمكن للعنف أن يحاول إعادة تشكيل تصور الإنسان للقوة والمقاومة، وكيف يصبح التحرر أيضًا استعادة لحق الإنسان في أن يقرر أي إنسان سيكون وهو يقاوم.


في اليوم الدولي للاعنف — 2 أكتوبر 2026
في اليوم الدولي للاعنف، ينبغي أن نبدأ بسؤال يسبق المواعظ: من الذي يجب أن يُطالَب باللاعنف أولًا؛ الإنسان الواقع تحت القوة، أم الجهة التي تملك السلاح والسجن والقانون والموارد؟ لماذا ينشغل الخطاب الأخلاقي أحيانًا بحدود ردّ المقهور قبل أن يفحص البنية التي صنعت القهر؟
اللاعنف مبدأ يفقد عدالته حين يُطبَّق باتجاه واحد. فإذا طُلب من الطرف الأضعف أن يضبط مقاومته، بينما عومل عنف الدولة كأنه إجراء إداري أو شأن سيادي، ظهر خلل يمكن تسميته “اللاعنف غير المتكافئ”: رقابة مشددة على يد الضحية، وإعفاء ضمني لليد التي تملك القدرة المنظمة على الإيذاء. وهذا لا يبرر عنف المقهور؛ بل يعيد المسؤولية إلى موضعها الأول.
في الأحواز، ليس هذا السؤال تمرينًا فلسفيًا. فمنذ أن أُسقط الحكم العربي المستقل في الأحواز بالقوة العسكرية سنة 1925، وانتهى استقلالها بفرض الاحتلال الإيراني عليها، عاش الشعب العربي الأحوازي داخل علاقة قسرية لم تعتمد القوة المباشرة وحدها. وفي قضايا وأزمنة متعددة، أحالت آليات أممية ومنظمات حقوقية إلى الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري، وادعاءات التعذيب وانتزاع الاعترافات، والحرمان من ضمانات المحاكمة العادلة، والإعدام، كما سجلت مظالم مزمنة تتصل بالتمييز والحقوق الاقتصادية والثقافية. هذه الوقائع لا تحتاج إلى مبالغة كي تكون فادحة. وهي لا تجعل الأحوازي موضع اتهام؛ بل تكشف من يحتكر أدوات القسر ومن يقع عليه أثرها.
ولم يتوقف نموذج العنف الذي تديره سلطات الاحتلال الإيراني عند حدود الأحواز. فقد امتد عبر دعم عسكري وشبكات نفوذ وجماعات مسلحة في ساحات من المشرق العربي والبحر الأحمر. ولم يكن أثر السلاح ماديًا فقط؛ فقد استُخدمت الهوية المذهبية في المنطقة للتعبئة والاصطفاف وبناء الولاءات العابرة للدولة. وهنا يلزم تصحيح جوهري: الطائفية ليست طبيعة عربية، ولا ثقافة كامنة في الإنسان العربي؛ إنها عملية سياسية يمكن أن تصنعها سلطات وقوى متعددة حين تحول الاختلاف الديني إلى خوف، والخوف إلى ولاء، والولاء إلى أداة نفوذ. ومسؤولية السلطات الإيرانية عما دعمته من قوى مسلحة وما غذّته من تطييف وتقويض لسلطة الدولة لا تحتاج إلى مصادرة كل أسباب المأساة أو اختزالها في فاعل واحد. الدقة لا تخفف الجريمة؛ إنها تمنع الفاعل من الهرب عبر ثغرة المبالغة.
للعنف طبقات لا تظهر كلها في اللحظة نفسها. فقد يكون مباشرًا يصيب الجسد، أو بنيويًا يعمل عبر المؤسسات وتوزيع الحقوق والفرص، أو ثقافيًا يمنح القسر لغة تبرره وتجعله يبدو طبيعيًا. وعندما يعيش الإنسان طويلًا تحت تهديد واقعي، قد يمتد الأثر إلى الثقة، والإحساس بالسيطرة، وإدراك الخطر، والذاكرة، وبناء المعنى، والعلاقات الاجتماعية. وكلمة “قد” هنا أساسية: فالعنف يؤثر، لكنه لا يحكم حتمًا. والضحية ليست محكومة بأن تصبح نسخة من جلادها، وانتقال أثر العنف إليها لا يعني انتقال المسؤولية إليها؛ الأثر يقع على الضحية، أما المسؤولية فتبقى على من أنشأ العنف ومارسه وأدامه.
لكن بين إصابة الجسد وإعادة تشكيل المجال الذي تُفهم داخله المقاومة مستوى يحتاج إلى اسم أدق. أسميه “احتلال الاستجابة”.
احتلال الاستجابة هو محاولة القوة الممتدة تضييق المجال الذي يتخيل الإنسان داخله معنى القوة وأشكال المقاومة، حتى تبدو له أدوات من قهره كأنها الأدوات الوحيدة الممكنة للرد عليه. عندئذ لا يكتفي العنف بتحديد ما يفعله بالإنسان؛ بل يحاول تحديد ما يراه الإنسان فعلًا ممكنًا: أن تبدو القسوة حزمًا، وإلغاء المختلف انتصارًا، والتخوين وعيًا، والرحمة ضعفًا، وفرض الإرادة المعنى الوحيد للقوة.
هذا المفهوم لا يقول إن الشعب العربي الأحوازي أصبح عنيفًا، ولا يحوّل الضحية إلى متهم. إنه يصف هدفًا أعمق للقوة القسرية: أن تجعل لغتها هي اللغة الوحيدة التي يستطيع المقهور أن يتخيل بها خلاصه. ومن هنا يمكن صياغة القانون الآتي: “العنف لا يبلغ أقصى قوته عندما يجبر الإنسان على الخضوع؛ بل عندما يجعله يتخيل القوة باللغة التي علّمه إياها من قهره”.
لهذا أقترح أن نفهم اللاعنف على مستوى أعمق من مجرد الامتناع عن إيذاء الخصم. اللاعنف هو تحرير الإنسان من قدرة العنف على إعادة إنتاج نفسه من خلاله. وهو استرداد سيادة الإنسان على استجابته، حتى لا يصبح عنف خصمه هو الذي يقرر له أي إنسان سيكون.
هذه السيادة ليست صمتًا ولا خضوعًا. يستطيع الإنسان أن يرفض وينظم ويحتج ويمارس العصيان المدني، وأن يسحب تعاونه من البنية الظالمة، ويوثق ويقاضي ويبني مؤسساته، ويحمي لغته وذاكرته وهويته، ويطالب بحريته وتقرير مصيره. ويستطيع الفعل اللاعنفي المنظم أن يوسع المشاركة، ويبتكر أدوات ضغط، ويفصل السلطة عن بعض مصادر قوتها. فاللاعنف هنا ليس انطفاء المقاومة، بل تحريرها من النموذج الذي يريد المحتل أن يفرضه عليها.
ومن الأحواز يخرج معيار يصلح للإنسانية وللأمم المتحدة: لا تسألوا الإنسان الواقع تحت القوة وحده: “هل قاومت بلا عنف؟” اسألوا قبل ذلك: “هل كانت البنية التي تحكم حياته بلا عنف؟” ففي القانون الدولي لحقوق الإنسان، تقع على الدولة التزامات بأن تحترم الحقوق وتحميها وتعمل على إعمالها. فهل تستخدم الدولة القانون لحماية الإنسان أم لإخضاعه؟ وهل تخضع أجهزتها المسلحة للمساءلة نفسها التي تُطلب من المحتج؟ الدولة لا تصبح غير عنيفة لمجرد أنها تسمي عنفها قانونًا، وكل سياسة للاعنف لا تبدأ بمساءلة صاحب القدرة الأكبر على إنتاج الأذى تبقى سياسة ناقصة.
هدم الاحتلال الإيراني في الأحواز لا يعني إنهاء سلطته على الأرض وحدها؛ بل هدم ما حاول أن يزرعه في صورة الإنسان عن نفسه، واستعادة اللغة والذاكرة والثقة والقدرة على الفعل المنظم. لا نطلب من المقهور أن يصمت باسم اللاعنف، ولا نجعل عنف الأقوى استثناءً من معياره، ولا نسمح للعنف بأن يحقق انتصاره الأخير بإعادة إنتاج منطقه داخل الإنسان الذي يقاومه.
قد يستطيع الاحتلال أن يضيّق حياة الإنسان وخياراته، لكنه لا ينبغي أن يملك آخر مساحة فيه: حقه في تعريف القوة. فالتحرر لا يكتمل عندما يستعيد الإنسان قدرته على مقاومة من قهره فقط؛ يكتمل عندما يستعيد أيضًا حقه في أن يقرر أي إنسان سيكون وهو يقاومه.
ـــ حميد شايع الأحوازي ـــ
2.10.2026
