حين يرى العالم الجريمة ويصبح القانون شاهدًا لا حارسًا للإنسان

يتناول المقال الفجوة بين حظر التعذيب في القانون الدولي واستمرار وقوعه بحق الأحوازيين، ويسأل عن قيمة القانون حين يكتفي بتسمية الجريمة من دون أن يتحول إلى حماية وردع. ومن خلال التعذيب والاعترافات القسرية والمحاكمات الجائرة والإعدام، يضع النص النظام الدولي أمام سؤال أخلاقي وقانوني أعمق: هل وُجد القانون ليشهد على الألم بعد وقوعه، أم ليمنع اليد التي تصنعه؟

— حميد شايع الأحوازي —

6/27/2026

 حين يرى العالم الجريمة ويصبح القانون شاهدًا لا حارسًا للإنسان — حميد شايع الأحوازي —   اقترح استخدا
 حين يرى العالم الجريمة ويصبح القانون شاهدًا لا حارسًا للإنسان — حميد شايع الأحوازي —   اقترح استخدا

في اليوم التالي لليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب، الموافق 26 يونيو/حزيران، لا ينتهي السؤال بانتهاء المناسبة.

لأن التعذيب لا يتوقف عندما ينتهي اليوم من التقويم.

ولا تختفي آثاره عندما تنتهي البيانات.

ولا يعود الجسد إلى طمأنينته لأن العالم قال مرةً إن التعذيب جريمة.

التعذيب جريمة بموجب القانون الدولي.

هذا واضح.

لكن الوضوح وحده لا يحمي الإنسان.

فحين تواصل إيران تعذيب الأحوازيين بأشكال مختلفة، وحين تتكرر شهادات الاعتقال، والإكراه، والاعترافات المنتزعة تحت الضغط، وحين يصل الإنسان أحيانًا إلى الموت داخل الحجز أو إلى المشنقة بعد محاكمة لا تحمل من العدالة إلا اسمها، لا يعود السؤال عن الجلاد وحده.

السؤال يصبح عن العالم الذي يعرف.

عن القانون الذي يحرّم.

عن المؤسسات التي تسمّي الجريمة.

ثم عن الإنسان الذي يبقى وحده أمام اليد التي تكسره.

ما قيمة القانون إذا كان يستطيع أن يرى الجريمة، ولا يستطيع أن يجعل استمرارها مكلفًا على من يرتكبها؟

وما معنى أن يكون التعذيب محظورًا في كل المواثيق، إذا كان الجلاد يعرف ذلك، ثم يمارس فعلته مطمئنًا إلى ضعف الردع؟

في الأحواز، لا يُختبر القانون الدولي في لغته الجميلة، ولا في أيامه الرمزية، ولا في بياناته التي تكرر أن التعذيب محظور.

يُختبر في قدرته على حماية الإنسان الأحوازي من أن يُكسر جسده، أو يُنتزع صوته، أو تُحوَّل اعترافاته القسرية إلى طريق نحو الإعدام.

فالمأساة ليست أن العالم لا يعرف.

العالم يعرف.

يعرف أن التعذيب جريمة.

يعرف أن الاعتراف تحت التعذيب ليس عدالة.

يعرف أن الإعدام بعد محاكمة جائرة ليس حكمًا، بل امتداد للجريمة بلباس قانوني.

يعرف أن الجسد حين يُكسر في غرفة التحقيق لا يتألم وحده؛ تتألم معه العائلة، والذاكرة، واللغة، والمستقبل.

ومع ذلك يستمر التعذيب.

وتستمر المشانق.

ويستمر صمت المصالح في ابتلاع صوت الضحية.

وهنا يصبح السؤال أعنف من الإدانة:

هل وُجد القانون كي يصف الجريمة بعد وقوعها، أم كي يمنع اليد التي ترتكبها؟

هل يكفي أن يكون التعذيب محرّمًا، إذا كان الإنسان لا يجد من يحميه عندما يبدأ الألم؟

وهل يكفي أن يخصص العالم يومًا للضحايا، ثم يترك الجلاد بقية العام مطمئنًا؟

الكرامة لا تحتاج إلى تقويم رمزي فقط.

تحتاج إلى قانون يتحول إلى ردع.

وإلى نظام دولي لا يكتفي بتسمية الجريمة، بل يجعل استمرارها كلفةً سياسية وأخلاقية على من يرتكبها.

ليست المأساة أن التعذيب محرّم في القانون الدولي.

المأساة أن الجلاد يعرف أنه محرّم، ثم يواصل فعله كأن الحظر نصّ بلا حارس، وكأن جسد الضحية أضعف من أن يحرّك ضمير العالم.

في الأحواز، كما في كل مكان تُهان فيه كرامة الإنسان، لا نحتاج إلى أن يتعلم العالم اسم الجريمة من جديد.

نحتاج إلى أن يتوقف عن الاكتفاء بمعرفتها.

فالقانون الذي يعرف الألم ولا يحمي الجسد، يتحول من وعدٍ للإنسان إلى شاهدٍ على عجز العالم.

والعالم الذي يسمّي التعذيب جريمة، ثم يترك الضحية وحيدًا أمام الجلاد، لا يواجه سؤالًا قانونيًا فقط.

يواجه سؤالًا أخلاقيًا عن معنى حضارته كلها.

ما معنى القانون الدولي إذا كان يستطيع أن يرى الألم، وأن يسمّي الجريمة، ثم يعجز عن حماية الإنسان من اليد التي تكسره؟

— حميد شايع الأحوازي —

27.6.2026