حين يصبح الشعب غير قابلٍ للاحتلال
كيف يصبح الشعب غير قابلٍ للاحتلال؟ مقال في الاسترداد السيادي السلمي، وبناء الوعي والإرادة والقدرة التي تمنع استبدال وصايةٍ بأخرى، وتعيد القرار إلى الشعب العربي الأحوازي.


الاسترداد السيادي السلمي بوصفه نهايةً للوصاية لا تبديلًا لأصحابها
لا يبدأ الاحتلال عندما تدخل القوة إلى الأرض فقط.
يبدأ قبل ذلك، عندما يمنح طرفٌ نفسه حقَّ تعريف شعبٍ لم يفوّضه، وتحديد مستقبله، والتحدث باسمه، ثم يطالبه بأن يعيش داخل المصير الذي اختير له.
ولهذا لا ينتهي الاحتلال بمجرد ضعف السلطة، ولا بسقوط نظام، ولا بتبدل الوجوه التي تحكم من المركز.
قد يسقط الحاكم، وتبقى الجغرافيا أسيرةً لمنطقه.
وقد تتغير الراية، ويبقى الشعب ممنوعًا من أن يكون صاحب الكلمة الأخيرة في أرضه.
وقد يُهدم السجن، ثم يُعاد بناؤه بلغة الحرية.
إن نهاية الاحتلال لا تبدأ من سقوط القوة التي فرضته وحدها، بل من سقوط حقها المزعوم في تعريف الإنسان الذي احتلته.
وهنا تكمن القضية الأحوازية في أصلها.
فالشعب العربي الأحوازي لا يطلب إصلاح العلاقة التي فُرضت عليه بالقوة، ولا تحسين شروط وجوده داخل بنيةٍ صادرت أرضه وقراره منذ عام 1925.
مطلبه أوضح من أن يحتاج إلى تأويل:
إنهاء الاحتلال الإيراني من جذوره، واستعادة السيادة الكاملة على الأحواز، وعودة حق تقرير المصير إلى صاحبه الوحيد: الشعب العربي الأحوازي.
لكن وضوح الحق لا يكفي وحده لحمايته.
فالتاريخ لا يعيد المستقبل تلقائيًا إلى أصحابه حين تضعف السلطة القديمة.
التاريخ يفتح فراغًا.
ثم يصل إلى ذلك الفراغ من كان قد بنى قبل وقوعه القدرة على تعريف ما سيأتي بعده.
ومن هنا يظهر القانون الذي لا ينبغي لشعبٍ ينتظر لحظة التحول أن ينساه:
حين تضعف السلطة القديمة، لا تنتقل الحقوق تلقائيًا إلى أصحابها؛ ينتقل المستقبل إلى من امتلك القدرة على تسميته قبل الآخرين.
لهذا قد يسقط نظام، ولا يسقط الاحتلال.
وقد تنهار سلطة، ثم ترثها معارضة تحمل رؤيتها نفسها للأرض والشعوب، وإن اختلفت معها في شكل الحكم.
قد تتصارع السلطة والمعارضة على من يحكم إيران، لكنهما تتحدان عند السؤال الأحوازي:
كلاهما يريد بقاء الأرض تحت القرار الإيراني، وكلاهما يرفض أن يكون الشعب العربي الأحوازي صاحب الكلمة الأخيرة في مصيره. ولذلك فإن تبدل الحاكم لا ينهي الاحتلال ما دامت المعارضة نفسها تحمل منطقه الجغرافي والسياسي.
السلطة تصادر حق الأحواز باسم الدولة.
والمعارضة الإيرانية مجتمعة تصادره باسم البديل.
تختلفان على كرسي المركز، وتتفقان على بقاء الآخرين تحته.
إحداهما تقول إن الأرض جزء من سلطتها القائمة.
والأخرى تقول إنها ستكون جزءًا من سلطتها القادمة.
لكن السؤال الذي يخشاه الطرفان واحد:
من منحكم حق تقرير مستقبل شعب لم يفوّضكم؟
إن أخطر ما قد يواجه الأحوازيين ليس عدوًا يعلن موقفه بوضوح، بل خطابًا يقترب منهم باسم الحرية، ثم يطلب منهم أن يؤجلوا حريتهم.
قد يرفع الإنسان اسم الأحواز، لكنه يعمل داخل مشروع يجعل قرارها تابعًا لغيرها.
وقد يتحدث بلغتها، لكنه يختصر حقها في الحدود التي يسمح بها مشروعٌ إيراني آخر.
وقد يدّعي تمثيلها، بينما يؤدي في الواقع دور الوسيط بين شعبه وبين جهة تريد استخدامه.
ولهذا لا تكون هوية المتحدث هي المعيار.
المعيار هو:
هل يعترف بأن الشعب العربي الأحوازي هو صاحب السيادة والكلمة الأخيرة في أرضه ومستقبله، أم يريد منه أن يكون قوةً في طريق الآخرين إلى السلطة؟
فالاحتلال لا يستمر بالسلاح وحده.
إنه يستمر أيضًا عبر قابلية الشعب للاستعمال.
قابليته لأن يُخاف بدل أن يختار.
وأن يُمثَّل بدل أن يتكلم.
وأن يُدفع إلى معارك لا يملك توقيتها.
وأن يُطلب منه التضحية من أجل مشروعات لا تعترف بحقه كاملًا.
وأخطر أشكال السيطرة هو أن يصبح الإنسان أداةً وهو يعتقد أنه يتحرر.
من هنا لا يكفي أن يرفض الشعب سيدًا واحدًا.
عليه أن يبني داخله من السيادة ما يجعل وجود أي سيدٍ فوق إرادته مستحيلًا.
وهذا هو ما أسميه:
الاسترداد السيادي السلمي
وهو أعمق من انفجار الغضب، وأبقى من انتفاضةٍ تنتهي بانتهاء لحظتها.
إنه استرداد أربع سلطات انتزعها الاحتلال من الشعب:
سلطة تعريف نفسه.
وسلطة اتخاذ قراره.
وسلطة منح الشرعية أو سحبها.
وسلطة بناء مستقبله وفق إرادته.
فالأرض لا تتحرر حقًا ما دام الآخرون يملكون تعريف أصحابها.
والسيادة لا تُستعاد ما دام الشعب ينتظر من خصمه أو من وريث خصمه أن يعترف له بحقه.
والحرية لا تبدأ عندما يتغير من يحكم الإنسان، بل عندما يتوقف الإنسان عن قبول أن يكون محكومًا بإرادةٍ لم يخترها.
لقد نظرت أطراف كثيرة إلى الأحواز فرأت النفط والماء والموقع والجغرافيا، قبل أن ترى الإنسان.
رأت الثروة، ولم ترَ صاحبها.
رأت الأرض بوصفها موردًا يجب الاحتفاظ به، لا وطنًا له شعب وذاكرة وإرادة.
وحين تصبح الأرض أهم من الإنسان، يتحول الإنسان إلى وسيلة.
وحين يتحول الإنسان إلى وسيلة، تستطيع السلطة والمعارضة والقوى الخارجية أن تتصارع على كل شيء، ثم تتفق على ألا يكون هو صاحب القرار.
قد تغازل الأحوازي خوفًا من خسارة أرضه.
وقد تخاطبه بلغة التضامن طمعًا في قوته.
وقد تعده بالمستقبل حتى تصل إلى مركز السلطة، ثم تعيد إليه شروط الخضوع القديمة.
ولهذا لا يُعرف الحليف بما يقوله عن آلام الأحوازيين، بل بما يعترف لهم به من سيادة غير مشروطة على مصيرهم.
ليست كل يد تمتد إلى الأحوازي ممدودةً من أجله.
بعض الأيدي تمتد إليه، بينما تنظر إلى ما وراءه.
إلى أرضه.
وإلى ثروته.
وإلى الموقع الذي يمكن الوصول إليه عبره.
أما التحرر الحقيقي، فيبدأ عندما يستعيد الإنسان مكانه الطبيعي داخل القضية:
لا تابعًا يُتحدث باسمه.
ولا وقودًا في حرب الآخرين.
ولا ورقةً تفاوضية.
ولا شاهدًا على أرضه.
بل صاحب الأرض، وصاحب القرار، وصاحب المستقبل.
وهذا الاسترداد لا يتحقق بالغضب وحده.
فالغضب يستطيع أن يهدم بابًا، لكنه لا يبني بالضرورة ما يجب أن يوجد خلفه.
ولا يتحقق بالشعارات وحدها، لأن الاحتلال يستطيع أن يعيش طويلًا داخل لغةٍ تعارضه ظاهريًا وتحتفظ بمنطقه في العمق.
إنه يحتاج إلى وعيٍ لا يُخدع، وإرادةٍ لا تُستعار، وثقةٍ بين الناس، وذاكرةٍ لا يستطيع الآخر محوها، ورؤيةٍ أخلاقية لمستقبل لا يعيد إنتاج الظلم بعد زواله.
فليست القوة السلمية تراجعًا عن الفعل.
إنها نقل الصراع إلى المكان الذي لا تستطيع أي سلطة أن تحكم من دونه:
إلى قبول الإنسان.
وإلى شرعية الناس.
وإلى تعاون المجتمع.
وإلى الرواية التي تحدد من هو صاحب الحق ومن هو المعتدي عليه.
ولهذا:
ليست الثورة في مقدار الغضب الذي تطلقه، بل في مقدار الطاعة التي يستطيع الشعب سحبها من الظلم، ومقدار المستقبل الذي يستطيع بناءه من دون أن يعيد إنتاجه.
قد يسقط الاحتلال من المؤسسات، ويبقى في الخوف.
وقد يخرج من الشوارع، ويبقى في حدود الممكن داخل العقول.
وقد تتغير السلطة، ويبقى الإنسان ينتظر من الآخرين أن يخبره بما يحق له أن يكونه.
أما النهاية الحقيقية للاحتلال، فتبدأ عندما يصبح الشعب غير قابلٍ للاستخدام.
غير قابلٍ لأن يمثله من لم يفوضه.
غير قابلٍ لأن يُشترى أمله بوعد مؤجل.
غير قابلٍ لأن يُدفع إلى مشروع ينكر سيادته.
وغير قابلٍ لأن يرى نفسه أقل من حقه.
عندها لا يعود السؤال: من سيحكمنا بعد سقوط السلطة؟
بل:
كيف يجرؤ أحدٌ أصلًا على الاعتقاد بأن له حقًا في حكم شعب لم يختره؟
الفرصة لا تصبح مصيرية لأن الخصم ضعف.
تصبح مصيرية عندما يبلغ الشعب من الوعي والاستقلال والوحدة ما يجعل إعادته إلى الوصاية مستحيلة، مهما تغيرت الوجوه، ومهما تبدلت الشعارات، ومهما حاول الآخرون أن يرثوا الأرض بعد سقوط الحارس القديم.
وحين يبلغ الشعب العربي الأحوازي هذه الدرجة، لا يعود محتاجًا إلى من يمنحه الحرية.
ولا يستطيع النظام الاحتفاظ به.
ولا تستطيع المعارضة الإيرانية وراثته.
ولا يستطيع العالم أن يراه ثروةً بلا إنسان.
عندها لا يخرج الاحتلال من الأرض وحدها.
يخرج من اللغة.
ومن الخوف.
ومن تعريف الممكن.
ومن حق الآخرين المزعوم في تقرير مستقبل الأحواز.
وتبدأ الحرية من مكانٍ أعمق من السياسة:
من اللحظة التي يعود فيها الإنسان إلى نفسه، ويعرف أن الأرض التي لا يملك قرارها ليست وطنًا كاملًا، وأن الحق الذي يؤجله الآخرون ليس حقًا مصونًا، وأن الشعب الذي لا يعرّف مستقبله بنفسه سيأتي دائمًا من يعرّفه له.
فالاحتلال ينتهي حقًا عندما يصبح وجوده مستحيلًا، لا بسبب ضعف المحتل وحده، بل لأن الشعب لم يعد قابلًا لأن يُحتل.
— حميد شايع الأحوازي —
23.7.2026
