حين يصبح الصمت استثمارًا في الكارثة القادمة
يتناول المقال كيف يتحول الصمت الدولي تجاه جذور القمع والاحتلال ونهب الشعوب إلى استثمار طويل الأمد في كوارث مستقبلية، حين تُقدَّم المصالح وتدفق النفط والاستقرار المؤقت على العدالة والإنسان. ويضع القضية الأحوازية في قلب هذه المعادلة، موضحًا أن تجاهل حقوق الشعب العربي الأحوازي لا يحمي استقرار الخليج العربي والمنطقة، بل يراكم التوتر والعسكرة والانفجارات المؤجلة. ويؤكد أن الكارثة لا تبدأ لحظة الانفجار، بل عندما يتعلم العالم التعايش مع الشروط التي تصنعه.


الكارثة لا تبدأ يوم الانفجار… بل يوم يتعايش العالم مع جذورها
الكوارث الكبرى لا تولد فجأة.
ولا تبدأ يوم يسمع العالم صوت الانفجار، أو حين تمتلئ الشاشات بصور النار والدخان والهلع.
بل تبدأ قبل ذلك بسنوات طويلة، حين يقرر الجميع أن التعايش مع جذور الخطر أقل كلفة من مواجهته.
وهنا تظهر واحدة من أكثر الحقائق قسوة في السياسة الحديثة:
العالم لا يؤجل الكوارث دائمًا. أحيانًا، يبنيها بصمته.
ليس لأن الحقيقة مجهولة، ولا لأن المؤشرات غائبة، ولا لأن أحدًا لا يرى ما يحدث.
بل لأن كثيرًا من القوى تتعلم تدريجيًا كيف تتعايش مع الخطر، ما دام النفط يتدفق، والأسواق مستقرة، والممرات مفتوحة، والمصالح مستمرة.
وهكذا يتحول الصمت، شيئًا فشيئًا، من موقف مؤقت إلى استثمار طويل الأمد في كارثة قادمة.
وهنا لا تعود المشكلة في الأنظمة وحدها، بل في العالم الذي يعرف، ويرى، ثم يتعلم كيف يتعايش مع الخطر لأن إزالة جذوره تبدو أكثر كلفة من إدارته.
وهذا ما يجعل بعض الكوارث الحديثة مختلفة عن غيرها.
فهي لا تنفجر بسبب الجهل فقط، بل بسبب الاعتياد الطويل على التعايش مع الجذور الأولى للخطر.
والأخطر أن العالم كثيرًا ما يخلط بين الاستقرار المؤقت والاستقرار الحقيقي طويل الأمد.
فالاستقرار الذي يُبنى فوق الخوف، والقمع، وكبت الشعوب، ونهب الإنسان، ليس استقرارًا حقيقيًا. إنه مجرد تأجيل هادئ للانفجار.
ولهذا، فإن أخطر الكوارث ليست دائمًا تلك التي تأتي فجأة، بل تلك التي تتشكل ببطء بينما الجميع يراقبها وكأنها جزء طبيعي من العالم.
ومن هنا، لا تبدو الأحواز مجرد قضية محلية معزولة أو ملف حدودي عابر.
الأحواز تقع فوق واحدة من أهم مناطق الطاقة في العالم، وترتبط مباشرة بأسواق النفط، والممرات البحرية، واستقرار الخليج العربي، والتوازنات الإقليمية، وأمن الطاقة العالمي.
لكن المشكلة لم تكن يومًا في الجغرافيا وحدها.
المشكلة كانت دائمًا في الطريقة التي تعلّم بها العالم النظر إلى هذه الأرض.
وفي كثير من الأحيان، بدا النفط أوضح للعالم من الإنسان الذي يعيش فوقه.
وهنا تبدأ واحدة من أخطر أزمات العصر الحديث: حين تتحول الشعوب تدريجيًا إلى تفاصيل ثانوية داخل معادلات الطاقة والمصالح.
ويصبح السؤال الأهم ليس: كيف يعيش الإنسان؟
بل: كيف يستمر التدفق؟
ومع الزمن، لا تتوقف آثار القمع عند حدود السياسة أو الجغرافيا فقط، بل تمتد ببطء إلى الإنسان نفسه؛ إلى طريقته في رؤية ذاته، وفهم مجتمعه، وثقته بالآخر، وقدرته على البناء بدل الخوف والتشظي.
ولهذا، فإن أخطر أشكال السيطرة ليست دائمًا تلك التي تُفرض على الأرض بالقوة، بل تلك التي تنجح، مع الوقت، في إعادة تشكيل الإنسان من الداخل.
وهكذا يبدأ العالم بالتعايش مع القمع والخوف وإعادة تشكيل الشعوب بالقوة، طالما أن المصالح الكبرى ما تزال تعمل دون اضطراب مباشر.
لكن الكوارث لا تختفي حين يتجاهلها العالم.
هي فقط تتعلم كيف تنمو بهدوء داخل صمته.
ولهذا، فإن تجاهل حقوق الشعوب لا يبني استقرارًا حقيقيًا، بل يبني بيئة مثالية لتراكم التوتر، والعسكرة، والابتزاز الجيوسياسي، والانفجارات المؤجلة.
وكلما طال التعايش مع الجذور، أصبحت الكارثة المقبلة أكبر من حدود المنطقة نفسها.
وهنا تظهر الحقيقة التي يخشى كثيرون الاعتراف بها:
العالم لا يدفع ثمن صمته فورًا، ولهذا يستمر بالصمت.
لكن الثمن المؤجل لا يختفي أبدًا. إنه فقط يتضخم بصمت، حتى يصل الانفجار، ويتصرف الجميع بعدها وكأن الكارثة ظهرت فجأة، رغم أن جذورها كانت واضحة منذ البداية.
وكم مرة رأى العالم العلامات المبكرة، وتحدث المحللون، وأصدرت التقارير تحذيراتها، ثم اختار الجميع الانتظار؟
انتظارًا يطول حتى تصبح الكارثة أمرًا واقعًا كان يمكن تجنبه.
من الأحواز إلى مناطق عديدة في الشرق الأوسط، تتكرر القصة نفسها بأسماء مختلفة.
شعوب كاملة ما تزال تدفع ثمن مشاريع التوسع والصراع، وثمن عالم تعلّم التعايش مع جذور الخطر ما دامت كلفته المؤجلة تبدو أقل من مواجهته.
ولهذا، فإن كثيرًا من هذه المآسي لم تعد مجرد أزمات منفصلة، بل أجزاء متصلة من إرث سياسي وأمني ما يزال يعيد إنتاج الخوف والعسكرة وعدم الاستقرار على امتداد المنطقة.
وحين يتحول الاعتياد على الخطر إلى جزء من طريقة إدارة العالم، لا تعود الكارثة احتمالًا بعيدًا، بل مستقبلًا يُبنى ببطء أمام الجميع.
لكن الكوارث التي يُسمح لها بالنمو طويلًا لا تبقى محصورة داخل حدودها الأولى.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط: كيف تُمنع الحروب؟
بل: كيف يُمنع العالم من الاعتياد على الشروط التي تصنعها؟
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث للحضارات ليس أن تواجه الخطر، بل أن تتعلم التعايش معه حتى يصبح جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية.
وحين تصل البشرية إلى هذه المرحلة، لا يعود الصمت حيادًا، بل يتحول تدريجيًا إلى شريك في تشكيل المستقبل الذي يدّعي الجميع الخوف منه.
ولهذا، فإن القضية الأحوازية لا يجب أن تُفهم باعتبارها مجرد قضية شعب يبحث عن حقوقه فقط، بل باعتبارها اختبارًا لطريقة عمل العالم الحديث نفسه.
اختبارًا لما يحدث حين تصبح المصالح أوضح من الإنسان، والنفط أوضح من الشعوب، والاستقرار المؤقت أهم من العدالة طويلة الأمد.
لأن العالم الذي يتعلم التعايش مع جذور الخطر لن ينجح في الهروب من نتائجه إلى الأبد.
والكوارث الكبرى لا تبدأ يوم الانفجار، بل يوم يقرر الجميع أن الصمت أقل كلفة من الحقيقة.
— حميد شايع الأحوازي —
31.5.2026
