حين يُفصل العمل عن السيادة… يبدأ الاحتلال من معنى العمل

يتناول المقال العلاقة بين العمل والسيادة في الأحواز، ويكشف كيف يفقد العمل معناه حين يُفصل العامل عن الأرض والقرار والثروة التي ينتجها. ويوضح أن معاناة العامل الأحوازي ليست اقتصادية فقط، بل نتيجة بنية الاحتلال الإيراني التي تستخرج الموارد وتقصي أهلها عن ملكيتها وتحوّل ما يُنتج في الداخل إلى أدوات نفوذ وأزمات تتجاوز الحدود. ويؤكد النص أن كرامة العمل لا تتحقق بإصلاح شروطه وحدها، بل بإنهاء أصل الظلم وتمكين الشعب العربي الأحوازي من السيادة على أرضه وثروته ومستقبله.

المقالات

— حميد شايع الأحوازي —

5/1/20261 دقيقة قراءة

كما قيل في يوم العمال…

لا كرامةَ للعمل

ما لم يكن العاملُ

صاحبَ القرار في أرضه وثروته.

لكن في الأحواز… هذه ليست فكرة تُناقش، بل واقع يُفرض كل يوم. هنا لا يبدأ الظلم من قلة العمل، بل من فصل العمل عن القرار. أن يعمل الإنسان في أرضه، ولا يملك أن يقرر فيها، ليس عملاً ناقصًا فقط، بل وجودًا يُدار. ليس خللًا عابرًا، بل صيغة كاملة تُعيد تعريف العلاقة بين الأرض وأهلها: يُبقي الجسد في المكان… ويُقصي الإرادة عنه. ومن هنا، لا تعود المشكلة في العمل ذاته، بل في المعادلة التي تُحدّد لمن يعمل… ومن يملك ما يُنتج.

الاحتلال لا يسرق الأرض فقط…

بل يعيد تعريف من يملكها.

في هذا الواقع، تتحول كل شرائح المجتمع—عمّالًا ومزارعين وطلبة ومثقفين—إلى أطراف داخل نظام لا يُكتب باسمهم. تُستخرج الثروة… ولا تعود. ويستمر العمل… ولا يقود إلى سيادة. وما يبدو كحركة اقتصادية… ليس إلا دورة مغلقة تُبقي النتائج خارج من يصنعها. وهنا ينكشف الفرق بين اقتصاد يُبنى بأهله… واقتصاد يُبنى فوقهم. الأول يُنتج استقرارًا… والثاني يُنتج تأجيلًا.

العمل بلا قرار…

ليس كرامة… بل تبعية.

لكن ما يُستخرج من نفط وغاز الأحواز… لا يُعاد إنتاجه داخلها… بل يُعاد توجيهه خارجها. تُستخدم هذه الثروة أولًا لإحكام السيطرة على أهل الأرض… ثم لتمويل أنماطٍ من النفوذ تمتد آثارها إلى ما حولها.

وهنا لا تبقى القضية محلية… بل تتحول إلى عنصرٍ فاعل في معادلة أوسع: توترٌ يتجاوز الحدود… وأدوات عدم استقرارٍ تمتد من الإقليم… إلى ما هو أبعد.

وفي هذا السياق… لا تعود الأحواز مجرد أرضٍ غنية بالثروات… بل تصبح جزءًا من منظومة تُبقي شعوبًا كاملة—داخل إيران وخارجها—في حالة رهينة لواقعٍ لم يُحسم. حتى الممرات الحيوية… كمضيق هرمز… لا تبقى خارج هذا التأثير… بل تتحول إلى نقاط حساسة ضمن نفس المعادلة.

ما يُدار كقوة داخلية…

يُعاد إنتاجه كأزمة خارجية.

وهذا ليس انحرافًا عابرًا…

بل نمط إدارةٍ يقوم على نقل الأزمات… لا حلّها.

ما لا يُحل في الداخل…

يُصدَّر إلى الخارج.

وفي الداخل… يبقى العامل الأحوازي خارج هذه الدائرة: يُحرم من فرص العمل… وإن عمل… لا ينال حقه… وتتأخر أجوره أشهرًا طويلة… حتى يصبح العمل نفسه عبئًا… لا كرامة.

هنا لا تكون المشكلة في العمل…

بل في النظام الذي يفصل بين من يعمل… ومن يملك.

في الأحواز، ليست المشكلة أن الناس يعملون، بل أن العمل لا يتحول إلى ملكية، ولا إلى قرار، ولا إلى مستقبل يخص من يصنعه. الكرامة لا تُقاس بوجود العمل، بل بامتلاك المعنى الذي يُنتجه. ولهذا، فإن كل حديث عن “حقوق العمال” يبقى ناقصًا إذا لم يبدأ من السؤال الذي يُتجنب: من يملك الأرض؟ من يملك القرار؟ من يملك الثروة؟ لأن العامل الذي لا يملك قراره، لا يملك عمله… وما لا يُملك، لا يكون حرًا، مهما بدا كذلك.

وما لا يُملك…

لا يكون حرًا… مهما بدا كذلك.

هنا يتضح أن المسألة ليست اقتصادية فقط، بل بنيوية. الاحتلال لا يفرض نفسه على الجغرافيا فحسب، بل يتدخل في تعريف العمل نفسه: أن تعمل ولا تملك… أن تُنتج ولا تقرر… أن ترى الثروة تُبنى حولك… دون أن تكون جزءًا من معناها. هذا ليس اقتصادًا ناقصًا… بل نظامًا كاملًا لإدارة شعب من خارج إرادته. وما يُقدَّم كاستقرار… ليس إلا تأجيلًا لما لم يُحسم.

الاحتلال ليس فقط سيطرة على الأرض…

بل تحكّم في معنى العمل نفسه.

وهنا يتضح كل شيء.

ولهذا، لا يكفي الوصف. لأن الوصف، مهما كان دقيقًا، لا يُغيّر الواقع. المطلوب مسار—لا شعارًا. مسار يبدأ بتثبيت القضية كما هي: قضية شعبٍ على أرضه، لا ملفًا يُدار. مسار يحوّل الحق من خطاب يُشرح… إلى ملف يُستخدم. مسار يوحّد السردية حتى لا تُختزل، ويربطها بالمصالح حتى لا تُهمّش، ويدفعها إلى إطار سياسي لا يسمح بالتأجيل. لأن ما لا يدخل في القرار… يبقى خارج التأثير.

ما لا يتحول إلى مسار…

يبقى فكرة مهما كانت صحيحة.

في يوم العمال، لا نعيد طرح السؤال التقليدي. لا نسأل كم يعمل الإنسان… بل لماذا لا يملك ما يعمل لأجله. لا نسأل عن الوظائف… بل عن القرار الذي يصنعها. لأن العمل، حين يُفصل عن السيادة، يفقد معناه. وحين يُفصل عن الأرض، يفقد اتجاهه. وحين يُفصل عن القرار، يتحول إلى دور داخل واقع لا يمثّل من يقوم به.

لا كرامة للعمل

تحت واقعٍ

يسلب الأرض…

ويقصي أهلها…

ويعيد توزيع ثروتها دونهم.

ومن هنا، فإن نهاية معاناة العامل الأحوازي لا تبدأ بإصلاح شروط العمل، بل بإنهاء الحالة التي نزعت عنه حقه في القرار. لأن الحرية ليست مطلبًا لاحقًا… بل شرطًا أوليًا. وما لم يُحسم هذا الأصل، سيبقى كل ما يُبنى فوقه هشًا، مهما بدا منظمًا.

الحرية ليست مطلبًا إضافيًا…

بل الشرط الأول لأي عملٍ له معنى.

وهنا لا يعود السؤال: هل العالم يعرف؟

بل: لماذا لا يتحرك؟

القانون واضح…

لكن التطبيق انتقائي.

وما يُقدَّم كإدانة…

يبقى بلا أثر ما لم يتحول إلى إلزام.

لأن العدالة التي لا تُلزم…

ليست عدالة… بل موقف.

الأرض التي يعمل فيها شعبٌ دون أن يملك قرارها…

ليست وطنًا كاملًا… بل واقعًا مؤجّلًا.

كل عملٍ لا يقود إلى سيادة…

ليس بناءً… بل تأجيل.

وفي النهاية، لا يبقى السؤال مفتوحًا. لأن ما لا يُحسم، لا يختفي… بل يتراكم. وما يُؤجَّل، لا يُحل… بل يُعاد إنتاجه. ولهذا، فإن اللحظة ليست لحظة وصف… بل لحظة قرار:

إنهاء هذه المظالم…

لا يكون بإدارة نتائجها…

بل بإنهاء أصلها.

وإنهاء أصلها…

يعني إنهاء الاحتلال الإيراني…

وحسم القضية من جذورها.

وما لا يُحسم اليوم…

لن يبقى مؤجّلًا…

بل سيتحوّل إلى واقعٍ يُفرض.

إمّا شعبٌ يملك أرضه…

ويُعرّف عمله بنفسه…

أو واقعٌ يستهلكه…

باسم العمل.

— حميد شايع الأحوازي —

1.5.2026