حين يُحتجز الإنسان… وتُحتجز معه إمكانية معرفته

تبحث هذه المذكرة في ما يحدث عندما لا تكتفي السلطة باحتجاز الإنسان، بل تسيطر أيضًا على الطرق التي تسمح بمعرفة ما يحدث له. ومن خلال مفهوم “احتلال قابلية المعرفة”، تطرح سؤالًا أعمق من غياب المعلومة: ماذا يحدث عندما يصبح الوصول إلى الحقيقة نفسها خاضعًا للجهة التي تملك القوة؟

— حميد شايع الأحوازي —

9/18/2026

 حين يُحتجز الإنسان… وتُحتجز معه إمكانية معرفته   اقترح استخدام AI ما رأيك في هذه الميزة؟
 حين يُحتجز الإنسان… وتُحتجز معه إمكانية معرفته   اقترح استخدام AI ما رأيك في هذه الميزة؟

مذكرة بمناسبة اليوم الدولي لتعميم الانتفاع بالمعلومات — 28 سبتمبر 2026

الوصول إلى المعلومات لا يبدأ بالمعلومة.

يبدأ قبل ذلك: بوجود طريق يستطيع الإنسان من خلاله أن يعرف.

لكن ماذا يحدث عندما تصبح الجهة التي تحتجز الإنسان هي نفسها التي تملك مكانه، وسجله، والوصول إليه، والمعلومة عنه؟

هنا لا نكون أمام حجب المعلومة فقط.

نكون أمام ما أسميه “احتلال قابلية المعرفة”:

أن تمتد السيطرة من الإنسان إلى الشروط التي تجعل معرفة ما يحدث له ممكنة أصلًا.

في الأحواز، تكشف وقائع اعتقال حديثة جانبًا واضحًا من هذه المشكلة. وتشمل الحالات الموثقة قاصرين، كما تشمل ملفات أخرى نساءً تعرضن للاعتقال ثم لإجراءات قضائية، فيما بقيت في بعض الحالات معلومات أساسية عن مكان الاحتجاز أو الوضع القانوني أو إمكان الوصول إلى المحتجز ناقصة أو متأخرة.

وهنا يجب أن يكون التمييز دقيقًا.

عدم معرفتنا بما يحدث داخل مكان الاحتجاز لا يثبت، وحده، أن تعذيبًا بعينه قد وقع.

لكن إخفاء مكان المحتجز، أو تعطيل الاتصال به، أو منع الوصول المستقل إلى المعلومات عنه، ليس فراغًا معلوماتيًا محايدًا عندما تكون الجهة التي تحتجز الإنسان هي نفسها التي تصنع هذا الفراغ.

فالحجب قد يكون هو نفسه جزءًا من الانتهاك.

وكلما أُغلقت الطرق المؤدية إلى المحتجز، ارتفع الخطر الذي يجب أن يثيره غياب المعرفة، لا أن ينخفض.

ولهذا لا يكفي أن نسأل:

أين المعلومة؟

يجب أن نسأل أيضًا:

من يملك الطريق إليها، ومن أغلقه؟

هنا يقع الفرق بين حجب المعلومة واحتلال قابلية المعرفة.

حجب المعلومة يمنع الوصول إلى شيء موجود.

أما احتلال قابلية المعرفة فيضرب ما هو أسبق: الشروط التي تسمح للأسرة والمحامي والشاهد والسجل والمصدر المستقل بأن ينتجوا معرفة يمكن التحقق منها أصلًا.

الأسرة لا تعرف.

المحامي لا يصل.

السجل لا يكون متاحًا للتحقق منه بصورة مستقلة.

والشاهد قد يخشى الكلام.

ثم تصبح الجهة التي تحتجز الإنسان هي المصدر الأقوى للمعلومة عنه.

عندها لا يجوز التعامل مع الفراغ المعلوماتي كما لو أنه نشأ بصورة طبيعية.

فالجهة التي ساهمت في إغلاق الطريق إلى الدليل لا ينبغي أن تستفيد من غياب الدليل الذي ساهمت هي في صنع شروطه.

وهذا لا يعني افتراض ما لم يثبت.

بل يعني أن معيار التحقق نفسه يجب أن يتغير عندما تتغير شروط المعرفة.

فكلما ضعفت القدرة المستقلة على معرفة ما يحدث للمحتجز، ازدادت الحاجة إلى الرقابة والتحقق والوصول المستقل.

ولهذا، قبل أن يكون السؤال:

أين الدليل؟

هناك أحيانًا سؤال أسبق:

هل كان الطريق إلى إنتاج الدليل والتحقق منه مفتوحًا أصلًا؟

هذه المسألة تمس جوهر سلامة المعلومات.

فالمعلومة لا تصبح سليمة فقط لأنها وصلت إلينا صحيحة.

يجب أيضًا أن توجد بيئة تسمح للحقيقة بأن تظهر، وأن تُفحص، وأن يمكن التحقق منها من خارج الجهة التي تملك القوة.

سلامة المعلومات تبدأ من سلامة الطريق المؤدي إليها.

وفي حالة الإنسان المحتجز، لا يكون الوصول إلى المعلومات مسألة شفافية إدارية فقط.

إنه ضمانة حماية.

أن تعرف الأسرة أين يوجد.

أن يُسجل احتجازه.

أن يستطيع الاتصال بمن يختاره.

أن يصل إليه محامٍ.

أن يمكن التحقق من نقله ومكانه ووضعه.

وأن تستطيع الأسرة والشهود نقل ما يعرفونه من دون خوف.

هذه ليست تفاصيل تأتي بعد حماية الإنسان.

إنها جزء من الحماية نفسها.

ومن هنا أقترح معيارًا واضحًا:

كلما ازدادت قدرة جهة ما على احتكار الوصول إلى الإنسان، ازدادت الحاجة إلى طريق مستقل لمعرفة ما يحدث له.

فزيادة السيطرة على المعلومة لا ينبغي أن تقلل مستوى التدقيق.

بل يجب أن ترفعه.

لأن السلطة، إذا استطاعت أن تحتجز الإنسان وتغلق معه الطرق المؤدية إلى معرفته، لا تكون قد سيطرت على جسده ومكانه فقط.

تكون قد اقتربت من السيطرة على ما يستطيع العالم أن يعرفه عنه.

وهنا يصبح الحق في الوصول إلى المعلومات أكبر من حق الوصول إلى وثيقة.

يصبح دفاعًا عن قدرة المجتمع على أن يعرف أن إنسانًا احتُجز، وأين يوجد، وما وضعه، ومن يستطيع الوصول إليه، وما الذي لا يزال مجهولًا عنه.

فالإنسان الذي يصبح الوصول إلى الحقيقة عنه مستحيلًا، يصبح أكثر عرضة لأن يتحول من شخص له حقوق إلى فراغ لا يستطيع أحد مساءلة السلطة عمّا يحدث داخله.

ولهذا فإن مسؤولية الوصول إلى المعلومات لا تبدأ فقط عندما نبحث عن حقيقة بعد ظهورها.

تبدأ بحماية الشروط التي تسمح للحقيقة بأن تظهر أصلًا.

وهذه هي قابلية المعرفة التي يجب ألّا تُحتجز مع الإنسان.

ملاحظة توثيقية:

تُرفق بهذه المذكرة قائمة مستقلة بالحالات التي جرى توثيقها حتى تاريخ إعدادها، وتتضمن الأسماء المتاحة، والأعمار حيث أمكن التحقق منها، وتواريخ الاعتقال، والمعلومات المتعلقة بأماكن الاحتجاز والأوضاع القانونية، إضافة إلى المراجع المستخدمة في التحقق.

ـــ حميد شايع الأحوازي ـــ

18.9.2026