لا تجعلوا غياب الشهادة براءةً لمن منعها
تضع هذه الرسالة أمام الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان سؤالًا يتجاوز توثيق الانتهاك إلى شروط الوصول إلى الحقيقة نفسها: ماذا يحدث حين يمنع القمع الضحية من إيصال شهادتها؟ وتدعو إلى اعتبار غياب المعلومة مؤشر خطر عندما تسيطر السلطة على السجن والمحكمة والملف، وإلى بناء متابعة دولية مستمرة لا تنتهي بانتهاء الجلسات، بل تستمر حتى ينتهي الخطر عن الإنسان الأحوازي ويُعرف مصير المعتقل والمختفي ويُضمن العلاج والمحامي والمحاكمة العادلة


رسالة إلى الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان وآليات الأمم المتحدة المعنية بإيرانإلى أعضاء مجلس حقوق الإنسان، والمفوضية السامية لحقوق الإنسان، والمقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في إيران، وآليات الأمم المتحدة المعنية بالإعدام والتعذيب والاعتقال التعسفي والاختفاء القسري:
أكتب إليكم قبل انعقاد الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان، لا لأضيف الأحواز إلى قائمة أخرى من القضايا التي تُذكر ثم يطويها جدول الأعمال، بل لأضع أمامكم سؤالًا يتعلق بالطريقة التي تعمل بها الحماية الدولية نفسها:
ماذا يحدث للإنسان الذي يمنعه القمع من أن يصل إليكم أصلًا؟
في الأحواز، ليست المشكلة أن كل الانتهاكات مجهولة.
بعض الاعتقالات تُعرف.
بعض أحكام الإعدام تصل أخبارها إلى الخارج.
وبعض شهادات التعذيب والحرمان من العلاج والعزل عن الأسرة تجد طريقها، بصعوبة، إلى المؤسسات الحقوقية.
لكن ما يصل إلى العالم ليس بالضرورة صورةً كاملة لما يحدث.
إنه، في كثير من الأحيان، ما استطاع الإفلات من منظومة صُممت لكي تمنع الوصول.
وحين تخاف الأسرة، ويُعزل المعتقل، ويُقيَّد المحامي، وتُراقب المعلومة، ويصبح الحديث نفسه مصدر خطر، فإن عدد الشهادات التي وصلت لا يعود مقياسًا كافيًا لحجم الانتهاك.
حين تملك السلطة القدرة على منع الدليل من الوصول، يصبح غياب الدليل نفسه معلومةً حقوقية يجب التحقيق فيها.
وإلا حدث شيء بالغ الخطورة:
كلما ازدادت قدرة القمع على إخفاء ضحيته، أصبحت الضحية أقل ظهورًا أمام النظام الذي وُجد لحمايتها.
وبذلك قد تتحول كفاءة السلطة في صناعة الصمت، من دون قصد، إلى ميزة تعمل لمصلحتها.
لهذا لا يكفي أن يكون السؤال:
ماذا حدث؟
يجب أن يصبح جزءًا من منهج الرصد أيضًا:
ما الذي يمنعنا من معرفة ما حدث؟
فعندما يُعتقل طفل ولا تعرف أسرته أين نُقل، لا يبدأ الخطر يوم يظهر اسمه في سجن معروف.
يبدأ من اللحظة التي تُنتزع فيها من أسرته القدرة على معرفة مكانه.
وعندما يكون سجين مريضًا ولا يستطيع الوصول إلى علاج مناسب أو طبيب مستقل، لا ينبغي انتظار انهيار جسده حتى تصبح حالته عاجلة.
وعندما يصدر حكم بالموت في قضية تحيط بها ادعاءات التعذيب، أو الاعترافات المنتزعة بالإكراه، أو الحرمان من محامٍ يختاره المتهم، فإن الخطر لا يبدأ عند باب غرفة الإعدام.
حياة الإنسان لا تصبح عاجلة في الساعة الأخيرة.
وقد أثارت آليات الأمم المتحدة بالفعل مخاوف بشأن مسعود جامعي، وعليرضا مرداسي، وفرشاد اعتمادي فر، ورضا عبدالي، في قضايا تتعلق بخطر الإعدام وبادعاءات التعذيب والاحتجاز التعسفي وانتهاك ضمانات المحاكمة العادلة.
كما تفيد تقارير حقوقية بأن حسن مصلاوي يواجه بدوره حكمًا بالإعدام في سجن شيبان.
لا ينبغي انتظار خبر التنفيذ حتى تصبح حياتهم أولوية.
ولا ينبغي أن تتحول أسماؤهم إلى أسطر في وثيقة دولية، ثم يستمر السجن بينما تنتهي الوثيقة.
فالقضية أوسع من خمسة أسماء.
ما يتعرض له الشعب العربي الأحوازي من اعتقال تعسفي، وتعذيب، وأحكام بالإعدام، وحرمان من العلاج، وعزلٍ للصوت والهوية، مرفوض.
ليس لأن الإنسان الأحوازي يطلب امتيازًا في الحماية، بل لأن حقوق الإنسان تفقد معناها إذا أصبح الإنسان أقل ظهورًا كلما أصبحت السلطة أكثر قدرة على إسكاته.
وأقول، من موقعي الأحوازي، بوضوح:
إن السيطرة الإيرانية المفروضة على الأحواز منذ عام 1925 لا تكتسب شرعيةً بمجرد مرور الزمن، ولا تتحول القوة إلى حق لأن العالم اعتاد الأمر الواقع.
مرور الزمن قد يطيل السيطرة.
لكنه لا يصنع موافقة أصحاب الأرض.
ولا أضع هذا أمام مجلس حقوق الإنسان لكي أشترط عليه تبنّي توصيف سياسي قبل أن يتحرك.
أضعه لسبب حقوقي أبسط وأعمق:
لا يجوز أن تكون السلطة التي تملك السجن والمحكمة والقوة هي أيضًا الجهة الوحيدة التي تحدد للعالم من هي الضحية، وما اسم أرضها، وما الذي حدث لها، وما الذي يستحق أن يُرى.
الشعب العربي الأحوازي ليس رقمًا فرعيًا داخل جدول أوسع.
إنه صاحب تجربة، وصاحب شهادة، وصاحب حق في الوصول إلى النظام الدولي بصوته هو.
ولهذا لا أطلب بيانًا جديدًا عن القلق.
أطلب تغييرًا في طريقة العمل.
أطلب من آليات الأمم المتحدة أن تجعل إمكانية الوصول إلى المعلومة نفسها مؤشرًا من مؤشرات الخطر؛ وأن تسجل في كل حالة زمن الانتقال من الاعتقال إلى معرفة مكان المحتجز، وإمكانية اتصاله بأسرته، ووصول محامٍ مستقل إليه، وحالته الصحية، وما بقي مجهولًا من ظروف احتجازه.
وأطلب إنشاء قناة آمنة ومنتظمة لاستقبال وحفظ الشهادات المتعلقة بالأحواز، بما يسمح للأسر والضحايا والشهود بإيصال المعلومات من دون أن يصبح إرسال الحقيقة سببًا لتعريضهم لخطر جديد.
وأطلب، حيث تسمح الأدلة، فصل البيانات المتعلقة بالأحواز بحسب المكان واللغة والهوية ونوع الانتهاك، حتى لا تختفي الأنماط الخاصة داخل أرقام عامة واسعة.
وأطلب أن تتحول كل حالة موثقة إلى مسار متابعة، لا إلى اسم يظهر مرةً ثم يختفي.
أين أصبح المعتقل؟
هل وصل إلى محامٍ؟
هل تلقى العلاج؟
هل ما زال الحكم قائمًا؟
هل تغير مكان احتجازه؟
هل ردت السلطات عن الأسئلة الموجهة إليها؟
وما الذي بقي مجهولًا؟
لكن الأهم من ذلك كله:
لا تجعلوا المتابعة مرتبطة بالمناسبة.
حقوق الإنسان لا تعمل بالمواسم.
الإنسان لا يصبح أقل سجنًا لأن الدورة انتهت.
ولا يصبح أقل عرضةً للإعدام لأن البيان نُشر.
ولا تستعيد الأسرة ابنها لأن اسمه دخل تقريرًا.
لا تغلقوا الملف عندما ينتهي موعده في جدول الأعمال؛ أغلقوه عندما ينتهي الخطر عن الإنسان.
يجب أن تستمر المتابعة حتى يُعرف مصير المختفي، ويصل المريض إلى العلاج، ويحصل المحتجز على المحامي والمحاكمة العادلة، ويُوقف أي حكم إعدام تصاحبه انتهاكات جسيمة لضمانات المحاكمة، ويُفرج عن كل معتقل أحوازي يثبت أن احتجازه تعسفي.
وفي ملف الاعتقال التعسفي تحديدًا، لا ينبغي أن يكون الهدف الوصول إلى آخر تقرير.
الهدف أن تستمر الحماية حتى إطلاق سراح آخر معتقل أحوازي ثبت تعسف احتجازه.
فالملف الحقوقي الذي يُغلق بانتهاء المناسبة بينما يبقى صاحبه خلف القضبان لم يُغلق.
الذي أُغلق فقط هو انتباه العالم إليه.
وأطلب أيضًا ألّا يكون تدفق المعلومة في اتجاه واحد.
فالأسرة التي خاطرت بإيصال شهادة يجب، ضمن حدود الحماية والسرية، أن تعرف أن صوتها وصل، وأن الحالة دُرست، وأن هناك متابعة.
لا يمكن أن نطلب من الإنسان أن يخاطر بإرسال الحقيقة إلى النظام الدولي، ثم نجعله عاجزًا عن معرفة إن كانت الحقيقة قد وصلت إلى أي مكان.
هذه ليست دعوة إلى إضافة مزيد من الورق إلى منظومة حقوق الإنسان.
إنها دعوة إلى تغيير وحدة القياس.
ففي البيئة المفتوحة، قد يترك الانتهاك أثرًا يستطيع العالم ملاحقته.
أما في البيئة المغلقة، فقد يكون محو الأثر نفسه جزءًا من الانتهاك.
وإذا كانت المؤسسات ترى فقط من استطاع الوصول إليها، فإن أشد الناس تعرضًا للقمع قد يصبحون، بسبب شدة القمع نفسه، الأقل حضورًا أمامها.
وهنا يصبح السؤال الذي أضعه أمام الدورة الثالثة والستين أكبر من الأحواز وحدها:
هل صُممت أدوات حقوق الإنسان لكي ترى فقط الإنسان الذي استطاع الوصول إليها، أم لكي تصل أيضًا إلى الإنسان الذي تعمل منظومة القمع كلها على منعه من الوصول؟
إذا كان القمع يستطيع أن يقرر من ستراه المؤسسات الدولية ومن لن تراه، فإنه يحتفظ بسلطة لا ينبغي أن يمتلكها:سلطة اختيار ضحاياه المرئيين.
لا تمنحوه هذه السلطة.
لا تجعلوا غياب الشهادة براءةً لمن منعها.
ولا تجعلوا انتهاء الجلسة نهاية الإنسان في ذاكرة المؤسسة.
أبقوا الملف مفتوحًا حتى ينتهي الخطر، لا حتى ينتهي الوقت.
لأن نجاح حقوق الإنسان لا يُقاس بعدد الأسماء التي تدخل التقارير.
يُقاس بعدد البشر الذين بقي العالم إلى جانبهم طويلًا بما يكفي لكي يتغير مصيرهم.
— حميد شايع الأحوازي —
3.9.2026
