لا تُديروا الأزمة القادمة… لا تُبقوا سببها حيًا

رسالة إلى قادة العالم والمجتمع الدولي قبل المناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، تسأل عمّا إذا كان العالم يعالج نتائج الأزمات المرتبطة بالدولة الإيرانية بينما يترك أسبابها البنيوية قائمة. وتضع الشعب العربي الأحوازي وحقه في تقرير مستقبله في قلب السؤال، داعيةً إلى الاستماع المباشر لأصحاب الأرض، وفتح مسارات دولية آمنة لصوتهم، وألّا تُصاغ أي تسوية لمستقبل الأحواز من دون إرادتهم الحرة أو باستبعاد الاستقلال مسبقًا إذا كان ذلك هو خيارهم.

— حميد شايع الأحوازي —

9/10/2026

Hamid.Sh.alahwazi.10
Hamid.Sh.alahwazi.10

أُرسلت هذه الرسالة في 10 سبتمبر 2026 إلى عدد من البعثات والجهات الدولية، قبل المناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة.

لا تُديروا الأزمة القادمة… لا تُبقوا سببها حيًا

رسالة إلى قادة العالم والمجتمع الدولي قبل المناقشة العامة للدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة

إلى قادة الدول،

وإلى ممثلي الشعوب المجتمعين في الأمم المتحدة،

أكتب إليكم من الأحواز.

لكنني لا أكتب عن الأحواز وحدها.

أكتب عن سؤال ظل العالم يؤجله حتى أصبحت كلفة تجاهله أكبر من كلفة مواجهته:

من يملك حق تقرير مستقبل شعب؟

في كل أزمة تتعلق بالدولة الإيرانية، ينصرف اهتمام العالم إلى النتائج: البرنامج النووي، والصواريخ، والحروب، والعقوبات، والطاقة، والممرات البحرية، والتهديدات الأمنية.

وكلها مسائل حقيقية.

لكن ماذا لو كان العالم يعالج، منذ عقود، ما تخرجه الأزمة إلى الخارج، بينما يترك السبب الذي يعيد إنتاجها؟

ماذا لو بدأ السؤال الأعمق من علاقة السلطة بالإنسان، وبالأرض التي تسيطر عليها، وبالثروة التي تستخرجها، وبحق أصحاب الأرض في أن يقرروا بأنفسهم مستقبلهم؟

هنا يجب أن يبدأ السؤال.

لا عند الصاروخ.

ولا عند العقوبة.

ولا عند الاتفاق التالي.

بل عند الإنسان.

الأحواز ليست هامشًا

الشعب العربي الأحوازي ليس أقليةً تنتظر من أحد أن يمنحها تعريفًا، وليس تفصيلًا ثقافيًا داخل ملف يصنعه الآخرون.

إنه شعب له أرض وذاكرة ولغة وتاريخ وإرادة، وله الحق في تقرير مستقبله.

ومنذ عام 1925 تخضع الأحواز للاحتلال الإيراني، وتخضع أرضها وثرواتها ومواردها لسلطة لم يمنحها الشعب العربي الأحوازي إرادته الحرة.

وأقول “الاحتلال” عن قصد.

لأن الشعب الذي يُمنع من تسمية ما وقع له يدخل الحوار مع العالم بعد أن سُلب منه جزء من روايته قبل أن يبدأ الكلام.

أصحاب الأرض لا يحتاجون إلى إذن لكي يكونوا أصحاب روايتهم ومستقبلهم.

حين ترتفع قيمة الأرض وتنخفض قيمة إرادة صاحبها

في الأحواز مفارقة لا ينبغي أن يبقى العالم قادرًا على تجاهلها.

النفط مهم.

والغاز والمياه والموانئ والموقع الجغرافي مهمة.

لكن ماذا عن الإنسان الذي تنتمي إليه هذه الأرض؟

ماذا يحدث عندما تصبح حاجة السلطة إلى الأرض أكبر من استعدادها للاعتراف بحق أصحابها في تقرير مستقبلهم؟

عندها قد تتحول الثروة من مصدر قدرة للشعب إلى سبب إضافي للتشبث بالسيطرة عليه.

فتزداد قيمة الأرض، بينما تنخفض قيمة إرادة الإنسان الذي ينتمي إليها.

يُرى النفط، وتُحسب الطاقة، وتُراقب الموانئ والممرات، بينما يختفي الإنسان الأحوازي خلف الأهمية الاستراتيجية لأرضه.

لا يجوز أن تكون ثروة شعب سببًا في حرمانه من حريته.

والإنسان الذي لا يستطيع أن يقول “لا” بحرية، لا يجوز استخدام صمته دليلًا على أنه قال “نعم”.

الإنسان قبل الخريطة

لقد تعلّم النظام الدولي أن يخاف من تغير الخرائط.

لكنه لم يتعلم بالقدر نفسه أن يخاف من الثمن الإنساني لتثبيت واقع فُرض بالقوة إلى ما لا نهاية.

الخريطة لا تتألم.

الإنسان هو الذي يتألم.

ولا أطلب من الأمم المتحدة أن تمنح الشعب العربي الأحوازي حقًا تملكه هي، ولا من دولة أجنبية أن تختار مستقبل الأحواز.

أطلب الاعتراف بحقيقة أبسط:

مستقبل الأحواز حق للشعب العربي الأحوازي نفسه.

والاختيار لا يكون حرًا إذا رسم صاحب القوة حدوده مسبقًا.

حين يحدد صاحب القوة للشعب مسبقًا ما الذي يُسمح له أن يختاره، لا يكون قد منحه حرية الاختيار؛ بل أبقى حق الاختيار نفسه تحت سيطرته.

ولهذا لا يجوز استبعاد الاستقلال مسبقًا إذا كانت تلك هي الإرادة الحرة التي يعبّر عنها الشعب العربي الأحوازي.

تقرير المصير الذي تُحدد نتائجه قبل أن يبدأ ليس تقريرًا للمصير.

لا تجعلوا الإنسان يحتاج إلى أن يصبح أزمة لكي يُسمع

حين تُغلق أمام شعب، جيلًا بعد جيل، طرق التعبير الحر وتقرير المستقبل، فإن السؤال لا يختفي.

إنه يتراكم.

وقد يبدو السطح هادئًا.

لكن:

الهدوء الذي يحتاج إلى القمع لكي يستمر ليس استقرارًا. إنه أزمة مؤجلة.

وأخطر ما يمكن أن يتعلمه شعب مظلوم هو أن العالم لا يسمعه إلا عندما تصبح معاناته خطرًا على الآخرين.

حين لا يُرى الألم إلا بعد أن يتحول إلى حرب أو نزوح أو اضطراب أو تهديد للمصالح الدولية، يتلقى المظلوم رسالة بالغة الخطورة:

أن المعاناة الصامتة لا تكفي.

وأن الكارثة هي الطريق الأقصر إلى الانتباه.

لا تجعلوا الإنسان يحتاج إلى أن يصبح أزمة لكي يستحق أن يُسمع.

السياسة الحكيمة لا تنتظر الانفجار لكي تعترف بوجود السبب.

ولهذا فإن أي اتفاق يعالج السلاح أو العقوبات أو البرنامج النووي أو التهديدات الإقليمية، ثم يترك أصحاب الأرض تحت البنية نفسها التي حرمتهم من القرار، قد يوقف خطرًا آنيًا، لكنه لا يصنع سلامًا دائمًا.

قد يشتري وقتًا.

لكنه لا يزيل السبب.

وهنا يجب أن يكون المعيار واضحًا:

كل تسوية تحدد مستقبل شعب من دون إرادته الحرة لا تحل الأزمة؛ إنها تنقل كلفتها من الحاضر إلى المستقبل.

اسألوا عن أي اتفاق قادم:

هل جعل الأزمة أقل إزعاجًا للعالم فقط؟

أم جعل الإنسان الذي سيعيش تحت نتائجه أكثر قدرة على تقرير مستقبله؟

هذا هو اختبار الاستقرار الحقيقي.

ما الذي أطلبه؟

لا أطلب بيان تعاطف جديدًا، ولا مناسبة يُذكر فيها اسم الأحواز ثم ينتهي كل شيء بانتهائها.

أطلب أن يبدأ العالم من صاحب الحق نفسه.

استمعوا مباشرة إلى الشعب العربي الأحوازي.

افتحوا قنوات دولية آمنة ومستقلة يستطيع من خلالها أصحاب الشهادة والحقوقيون والباحثون والمجتمع المدني الأحوازي الوصول إلى المؤسسات الدولية من دون أن يصبح الوصول نفسه سببًا للعقاب.

ولا تجعلوا أي تصور لمستقبل الأحواز يُصاغ فوق رؤوس أصحاب الأرض.

اجعلوا إرادة الشعب العربي الأحوازي أساسًا لأي حديث عن مستقبله.

ولا تستبعدوا الاستقلال مسبقًا إذا كانت تلك هي الإرادة الحرة التي يعبّر عنها الشعب.

لا نطلب حربًا.

ولا انتقامًا.

ولا أن يصبح تحرر شعب ظلمًا لإنسان آخر.

فالتحرر الذي ينتج مضطهِدًا جديدًا لم يكتمل.

لكن السلام أيضًا لا يُبنى بإنكار حق أصحاب الأرض في تقرير مستقبلهم.

فالزمن لا يحوّل القوة إلى حق.

والخوف لا يتحول إلى موافقة لأنه طال.

والسيطرة لا تصبح شرعية لأنها نجحت في الاستمرار.

رسالتي الأخيرة

يمكن للعالم أن ينتظر الأزمة التالية، ويعالج نتائجها، ويوقّع اتفاقًا جديدًا، ثم يعود بعد سنوات ليجد السؤال نفسه.

أو يستطيع أن يواجهه الآن:

من يملك مستقبل الإنسان؟

إذا كان الجواب هو من يملك القوة والسجن والسلاح، فنحن لم نحل المشكلة.

لقد منحنا القوة اسمًا آخر.

أما إذا كان الشعب هو صاحب مستقبله، فإن السؤال يصبح:

بأي حق يُمنع شعب من اختيار المستقبل الذي يريده لنفسه؟

لا أطلب منكم أن تنقذوا الأحواز.

ولا أن تتحدثوا باسمنا.

ولا أن تمنحونا وجودًا.

نحن موجودون.

أطلب منكم أن تتوقفوا عن بناء سياسات الاستقرار على افتراض أن الشعب العربي الأحوازي لا يجب أن يُسأل عن مستقبل الأحواز.

ولا تستبدلوا صوت أصحاب الأرض بصوت السلطة التي تحتلها.

استمعوا.

افتحوا الطريق السلمي.

احموا حق الشعب في أن يقول ما يريد.

ثم امتلكوا الشجاعة السياسية لاحترام جوابه.

ضعوا الإنسان قبل الخريطة.

والإرادة قبل القوة.

وحق الشعب في اختيار مستقبله قبل راحة النظام الدولي مع الأمر الواقع.

لأن الحل الذي يُبقي سبب الأزمة حيًا ليس حلًا.

ولأن الاستقرار الذي ينقل الأزمة إلى الجيل التالي ليس استقرارًا.

ولأن أخطر ما يستطيع العالم فعله ليس أن يجيب عن سؤال الشعب إجابة خاطئة.

بل أن يمنع الشعب مرةً أخرى من أن يجيب عنه بنفسه.

ـــ حميد شايع الأحوازي ـــ

10.9.2026