ليس الزمن هو ما يُطيل القضايا… بل الطريقة التي تُدار بها
يناقش هذا المقال الأحواز بوصفها قضية لم يُنهها مرور الزمن، بل أبقتها سياسة إدارة الأزمة بدل حلّها مفتوحة طوال قرن. ويحلل كيف يتحول التأجيل إلى عامل دائم لعدم الاستقرار حين تُدار الأرض والثروة خارج إرادة أصحابها، وكيف يؤدي اختزال قضية شعب وأرض وقرار سياسي إلى مجرد ملف حقوقي إلى إبقاء جذور الأزمة قائمة. وينتهي النص إلى أن الاستقرار الدائم لا يُبنى بإدارة ما لم يُحسم، بل بمسار سياسي وقانوني واضح يضع حق الشعب العربي الأحوازي في تقرير مصيره في صلب الحل، وصولًا إلى ممارسة هذا الحق عبر آلية دولية حرة ونزيهة.


ليس الزمن هو ما يُطيل القضايا…
بل الطريقة التي تُدار بها
الأحواز ليست قضية طال عليها الزمن… بل قضية لم يُسمح لها أن تُحسم. هناك فرق بين ما يطول بسبب التعقيد، وما يطول لأن قرار الحسم لم يُتَّخذ. ما يُترك دون حل لا يتجمّد، بل يتكيّف مع الزمن ويستمر، ويتحوّل من حدثٍ عابر إلى عاملٍ دائم داخل المعادلة.
القضايا التي لا تُحل… لا تختفي… بل تُعاد صياغتها داخل الأزمات.
على مدى قرن، لم تُغلق هذه القضية ولم تُعالج، بل أُعيد تنظيمها داخل ترتيبات أكبر. ما يُقدَّم بوصفه “استقرارًا” ليس نتيجة حل، بل نتيجة إدارة؛ وكل إدارة هي تأجيلٌ مؤقت لما لم يُحسم.
الاستقرار الذي لا يقوم على حلّ… يقوم على التأجيل.
الأحواز هنا ليست استثناءً… بل نقطةً مركزية يُقاس من خلالها مدى جدّية التعامل مع هذا النوع من الملفات. ليست هامشًا جغرافيًا، بل موقعًا استراتيجيًا يتقاطع عنده مسار الطاقة مع معادلات الأمن الإقليمي والدولي. ومن هنا، فإن أثرها لا يتوقف عند حدودها، بل يمتد إلى ما حولها.
الموقع الذي تُدار فيه الثروة دون إرادة أهله… لا ينتج استقرارًا… بل يُنتج توترًا مؤجّلًا.
في الأحواز، لا نتحدث عن موردٍ فقط… بل عن علاقة بين الأرض وأصحابها. حين تُدار هذه العلاقة خارج إرادة سكانها الأصليين، لا يُختل الداخل فحسب، بل يُعاد تشكيل الخارج أيضًا.
ما لا يُحسم داخليًا… لا يبقى داخليًا.
ولهذا، لم يعد ممكنًا التعامل مع هذه القضايا بوصفها “شؤونًا داخلية”. لأن آثارها لم تعد داخلية: اضطراب في محيط الطاقة، توترات عابرة للحدود، وأزمات يُعاد إنتاجها بأشكال مختلفة كل مرة.
القضايا المؤجلة… تتحول مع الوقت إلى عوامل عدم استقرار.
ما يُدار بدل أن يُحل… يُعاد إنتاجه بأشكال أكثر تعقيدًا. وما يُقدَّم كـ“تعقيد” هو في كثير من الأحيان نتيجة مباشرة لقرارٍ سابق: إدارة بدل الحسم.
ما يُدار بدل أن يُحل… يُعاد إنتاجه بأشكال أكثر تعقيدًا.
القانون الدولي واضح: حق الشعوب في تقرير مصيرها حق غير قابل للتصرف، لا يسقط بالتقادم ولا يُلغى بالإنكار. وقد ثُبّت هذا الحق في ميثاق الأمم المتحدة والعهدين الدوليين لعام 1966، بوصفه التزامًا قانونيًا لا خيارًا سياسيًا.
القانون الدولي لا يُختبر بمدى القبول السياسي به…
بل بمدى الالتزام بتطبيقه.
العالم اليوم لا يفتقر إلى فهم هذه القضايا، بل إلى قرار التعامل معها كما هي: قضايا سياسية غير محسومة، لا مجرد حالات حقوقية تُدار. الفرق جوهري: القضية الحقوقية تُدار، أما القضية السياسية فتُحسم.
حين تُختزل القضايا السياسية إلى ملفات حقوقية… يُصبح حلّها مؤجّلًا بطبيعته.
الأحواز اليوم لا تطرح سؤالًا عاطفيًا، بل سؤالًا سياسيًا مباشرًا: هل يمكن الاستمرار في إدارة ما لم يُحسم إلى ما لا نهاية؟ الجواب ليس نظريًا، لأن كلفة التأجيل تتراكم وتظهر في صورة عدم استقرار مستمر.
المبدأ الذي لا يُطبَّق… لا يفقد قوته فقط… بل يفقد معناه.
الحل لم يعد غامضًا ولا مفتوحًا للتأويل:
الاعتراف بطبيعة القضية كما هي—قضية شعبٍ وأرضٍ وحقّ تقرير مصير—وإدخالها في مسارٍ سياسي مُعلن بجدولٍ زمني واضح، وفقًا لمبادئ القانون الدولي التي تقرّ بحق الشعوب في تقرير مصيرها دون قيد.
وبناءً على ذلك، فإن ممارسة هذا الحق لا تُختزل في صيغ إدارية مؤقتة، ولا في ترتيبات داخلية تُبقي جوهر الأزمة قائمًا، بل تمتد—بحكم هذا الحق—إلى تقرير المصير الكامل وصولًا إلى الاستقلال عبر آلية دولية حرّة ونزيهة تُحترم نتائجها.
وهذا يتطلّب مسارًا محددًا:
إشرافًا دوليًا محايدًا،
ضمانات قانونية مُلزمة،
وآلية تنفيذ لا تسمح بإعادة التأجيل.
وما دون ذلك… ليس حلًا… بل إعادة إنتاجٍ للأزمة بصيغة مختلفة.
الاستقرار الذي لا ينبع من إرادة أصحاب الأرض… لا يدوم.
الأحواز ليست مجرد مساحة في هذا المشهد، بل إحدى نقاطه الحاسمة؛ لأنها تكشف طبيعة القضايا التي لم تُحسم بعد، وكيف تتحول مع الوقت إلى عنصر دائم في معادلات الاستقرار الإقليمي والدولي.
حين تُحسم القضايا عند جذورها… يتغيّر شكل الاستقرار كله.
الواقع لم يعد يقبل التأجيل.
وما لم يُحسم خلال قرن… لن يُحسم بالصدفة.
إمّا الاستمرار في إدارة الأزمات…
أو البدء في حلّها من جذورها.
ما لم يُحسم… لن يبقى مؤجّلًا إلى الأبد.
— حميد شايع الأحوازي —
29.4.2026
