متى يصبح الخوف من الفوضى أخطر من الفوضى نفسها؟

يستكشف هذا المقال كيف يتحول الخوف من التغيير إلى أحد أهم أسباب بقاء الأزمات، وكيف يؤدي الاعتياد على الواقع المعيب إلى الدفاع عنه بدل تغييره. كما يبين أن التحولات الكبرى تبدأ عندما تتوقف الشعوب عن اعتبار المأساة قدرًا، وتستعيد قدرتها على تخيل مستقبل مختلف وصناعته.

— حميد شايع الأحوازي —

6/22/2026

 متى يصبح الخوف من الفوضى أخطر من الفوضى نفسها؟ — حميد شايع الأحوازي —   اقترح استخدام AI كيف هي هذه
 متى يصبح الخوف من الفوضى أخطر من الفوضى نفسها؟ — حميد شايع الأحوازي —   اقترح استخدام AI كيف هي هذه

ليست أخطر لحظات المأساة عندما يعجز الناس عن رؤيتها.

بل عندما يرونها بوضوح، ثم يتوقفون عن اعتبارها أمرًا لا يمكن القبول به.

عندما يصبح الظلم جزءًا من المشهد، وتصبح الأزمة جزءًا من الحياة اليومية، ويصبح استمرار المشكلة أكثر اعتيادًا من التفكير في إنهائها.

ليست كل المآسي تستمر لأن هناك من يصنعها.

أحيانًا تستمر لأن عددًا كافيًا من الناس اعتاد وجودها.

ليس لأنهم يحبونها، أو يجهلونها، أو لا يرون ما تسببه من معاناة، بل لأنهم تعلموا التكيف معها، وأعادوا ترتيب حساباتهم وتوقعاتهم ومصالحهم على أساس بقائها.

ولا يتمسك الأفراد أو النخب أو المؤسسات أو الدول بما هو قائم دائمًا لأنه عادل أو ناجح أو خالٍ من المشكلات.

أحيانًا يحدث شيء أكثر تعقيدًا.

فهم يرون العيوب والخسائر والضحايا، وربما يدركون أن المشكلة حقيقية فعلًا، لكنهم يبدأون بالنظر إليها بوصفها جزءًا من الواقع الذي يجب التعايش معه، لا مشكلة يجب إنهاؤها.

وهنا تبدأ واحدة من أكثر المفارقات تأثيرًا في حياة الشعوب.

فكثير من الأزمات لا تستمر لأن حلولها مستحيلة، ولا لأن أسبابها مجهولة، ولا لأن أحدًا لا يراها.

بل لأنها نجحت، مع مرور الزمن، في جعل استمرارها أقل إثارة للقلق من محاولة إنهائها.

وعند هذه النقطة لا يعود السؤال:

لماذا تستمر الأزمات؟

بل يصبح السؤال:

متى يتحول التعايش مع الأزمة إلى مساهمة في استمرارها؟

رؤية الأزمة لا تعني بالضرورة الرغبة في تغييرها.

فالتاريخ مليء بأفراد ونخب ومؤسسات ودول أدركت وجود المشكلة، ثم فضلت التكيف معها بدل معالجتها.

ليس لأنها لم تفهم آثارها، ولا لأنها كانت راضية عنها بالكامل، بل لأنها رأت في تغييرها كلفة مباشرة، ورأت في استمرارها كلفة مؤجلة.

فالناس لا تحسب دائمًا ثمن ما يحدث اليوم، بل تنشغل أحيانًا بثمن ما قد يحدث غدًا.

فتصبح كلفة التغيير أوضح من كلفة الاستمرار، وتصبح المخاطر القريبة أكثر حضورًا من المخاطر البعيدة.

ومن هنا يبدأ الخوف من الفوضى في لعب دوره.

فبدل أن يصبح دافعًا للبحث عن حلول أفضل، يتحول أحيانًا إلى سبب لتأجيل الحل أصلًا.

وهنا تكمن المفارقة:

فالخوف من الفوضى قد يدفع الناس إلى حماية واقع يعرفون أنه معيب.

وربما لا تكمن المفارقة في الأزمات وحدها.

بل في الإنسان نفسه.

فالإنسان لا يدافع دائمًا عما هو صحيح.

أحيانًا يدافع عما اعتاد عليه.

ولا يتمسك دائمًا بما هو أفضل.

بل بما يعرفه أكثر.

ويبدأ الأفراد والنخب والمؤسسات والدول بمقارنة واقع يعرفون عيوبه، بمستقبل لا يعرفون حدوده.

ومع مرور الزمن لا يتغير الواقع وحده.

بل تتغير الطريقة التي ينظر بها الناس إلى ما يمكن أن يأتي بعده.

وعند هذه النقطة يبدأ ما يمكن تسميته باحتلال صورة المستقبل.

فالكثير من الناس لا يختارون الواقع لأنه أفضل.

بل لأنهم لم يعودوا قادرين على تخيل ما بعده.

وعندما يُحتل المستقبل في الخيال،

يصبح الحاضر، مهما كان معيبًا، أكثر قابلية للدفاع عنه.

فبدل أن يبدو المستقبل مساحة للإمكانات، يبدأ بالظهور كمساحة للمخاطر فقط.

وعندها لا يعود السؤال:

ما ثمن استمرار المشكلة؟

بل يصبح السؤال:

ما ثمن محاولة حلها؟

وهكذا يتحول تأجيل الحل شيئًا فشيئًا إلى سياسة.

ويتحول التعايش مع الأزمة إلى عادة.

ويتحول الاستثناء إلى واقع دائم.

لكن أخطر ما في الأزمات ليس أنها تستمر فقط.

بل أن الجميع يبدأ في إعادة ترتيب حساباته على أساس أنها ستستمر.

فبدل أن يصبح الهدف إنهاء المشكلة، يصبح الهدف إدارتها.

وبدل إزالة أسبابها، يبدأ التكيف مع نتائجها.

وعندما تصل الأزمات إلى هذه المرحلة، لا تعود تحتاج إلى كثير من المدافعين عنها.

يكفي أن يكون هناك عدد كافٍ من المتعايشين معها.

ليست كل المآسي محروسة بالقوة.

بعض المآسي يحرسها الخوف من البديل.

وبعضها يحرسه الاعتياد.

وبعضها يحرسه عجز الإنسان عن تخيل مستقبل مختلف.

فالأزمات لا تنتصر عندما تصبح قوية.

بل عندما يصبح التعايش معها أمرًا طبيعيًا.

لكن التغيير لا يبدأ عندما تكتشف الشعوب أن الأزمات سيئة.

فمعظم الشعوب تعرف ذلك أصلًا.

ولا يبدأ عندما تتحدث النخب عن المشكلات.

ولا عندما تعترف المؤسسات بوجودها.

ولا عندما تدرك الدول مخاطرها.

بل يبدأ عندما يتوقف الجميع عن اعتبارها أمرًا طبيعيًا.

فعند هذه اللحظة فقط تعود الأزمة إلى حجمها الحقيقي.

لا بوصفها واقعًا يجب التعايش معه.

بل بوصفها مشكلة يجب حلها.

وعندما يحدث ذلك يتغير السؤال من جديد.

فبدل أن يسأل الناس:

كيف نتكيف مع الواقع؟

يبدأون بالسؤال:

كيف نغيره؟

وهنا تبدأ التحولات الكبرى في التاريخ.

ليس يوم ترى الشعوب المأساة.

بل يوم تتوقف عن اعتبارها قدرًا.

فالشعوب ليست فقط ضحية الأزمات.

بل القوة القادرة على إنهائها.

والوعي لا يصف الألم فقط.

بل يفتح الطريق للخروج منه.

لكن أخطر ما يمكن أن تفعله المأساة ليس أن تؤلم الإنسان.

بل أن تقنعه أن التعايش معها حكمة.

ولهذا لا تنتصر الأزمات دائمًا لأنها بلا حل.

أحيانًا تنتصر لأن عددًا كافيًا من الناس تعلم كيف يعيش داخلها.

ولا تبدأ نهايتها إلا حين يقرر الإنسان أن التعايش مع المأساة ليس قدره الأخير.

— حميد شايع الأحوازي —

22.6.2026